العدد الثامن قضية للمناقشة

مَخاطِر الإنترنِت على الأطفَال / قضية للمناقشة

18/02/2021

د. محمد توفيق عبدالرحيم

 لاشك أن الانترنت أو الشكبة العنكبوتية تُعدُّ من أهم الموضوعات المطروحة على الساحة، وتمثل أهمية كبيرة في حياتنا اليومية وتؤثر تأثيرا كبيرا فيها؛ إذ حوّلت العالم إلى قرية صغيرة، رغم وجود الحدود، والفواصل المكانية والزمانية، عن طريق إتاحة إمكانية تبادل الرسائل، والصور، والفيديوهات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مما ساهم في زيادة الترابط الاجتماعي، وسهّل عملية التعارف على الحضارات الجديدة، والأماكن، والأشخاص، إلا أنّه يجب الأخذ بعين الاعتبار أنّ الاستخدام الخاطئ له يضرّ بالأفراد في مختلف الأعمار وخاصة الأطفال، وبالتالي تتأثر به الشعوب ككل في مختلف المجتمعات برغم الثقافات المتعددة.

 قبل غزو التكنولوجيا لعالمنا كانت مخاوفنا على أطفالنا تقتصر على أمور بسيطة يشترك بها معظم الأهالي، إلّا أنَّ الأمور لا تبقى على حالها والعالم في تقدّم مستمر، فبعد دخول شبكة الإنترنت لعالمنا بات لا يخلو أيّ بيت منها ولا أيّ شخص كبير أو صغير إلّا قد استخدمها، وأصبح عالمنا أكثر خطراً حيث سيطر الإنترنت على جوانب كبيرة من حياتنا، وانعكس ذلك على أفكارنا وقِيَمِنا وتصرّفاتنا.

وقبل أن نخوض في سلبيات الشبكة العنكبوتية لابد أن نسلط الضوء على ايجابياتها كنوع من التقييم الموضوعي فمن  مُميزات الإنترنت:

المناقشة الفعالة والبناءة لمواضيع مختلفة من شأنها رفع مكانة الثقافة والعلم وهذا من خلال استعمال غرف الدردشة والمجلات الالكترونية المجانية والتي تحوي على الكثير من الأبحاث العلميةالتي تساعد في كتابة الأبحاث والمقالات العديدة كما أن محركات البحث تساعدنا في الوصول لأمور كانت في السابق شبه مستحيلة  وكذلك الحصول على المعلومة بسرعة كبيرة  مما ساهم في رفع الثقافة والعلم. ولابد كذلك من الاشارة الى أثر الانترنت على التعلم الأكاديمي فالكثير من المؤسسات التعليمية والأكاديمية تتبع أسلوب التعلم عن بعد، كما يمكن الحصول على ألقاب جامعية كاللقب الثاني والثالث بهذه الطريقة مما يوفر علينا الوقت والمال.

أما على الصعيد الشخصي وبناء العلاقات فقد ساهم الانترنت في التعرف على أصدقاء جدد وتبادل الآراء فيما بينهم ومساعدة بعضهم البعض. والتعرف على حضارات الشعوب كما أن الانترنت يساعد في التسلية وقضاء أوقات الفراغ بأشياء مفيدة ومسلية مما يحويه من العاب وموسيقى والكتب التعليمية والترفيهية المختلفة.

ولا يخفى علينا جميعا دور البريد  الالكتروني في  نقل الرسائل والملفات بسرعة كبيرة وبدون تكلفة في كل مكان وبأي وقت واخذ الرد خلال ثوان معودات. وكذلك التجارة الالكترونيةفالشبكة ساعدت على التعرف على سلع كثيرة وذات مواصفات مختلفة وأسعار مقبولة وهذا بسب التنافس وكشف المنتوجات بطريقة الكترونية وطلب المنتج عن طريق الانترنت.

أيها السادة، الانترنت حول العالم إلى قرية الكترونية صغيرة عديمة الحدود ومفتوحة لجميع البشر. هذا الشيء يساعد في التعرف على ثقافات أخرى وتعلم لغات أجنبية وكل ذلك يساعد في اثراء العلم والمعرفة.

وبرغم من تلك المحاسن والمكاسب إلا أن للانترنت مخاطر وسلبيات كثيرة تدعونا إلى أخذ الحيطة والحذر واتخاذ كافة الاجراءات لحماية أنفسنا وأطفالنا وأسرنا ومجتمعاتنا، وإلا سيكون الانهيار هو النتيجة المحتومة التي نواجهها والتي بدأنا نشعر بها على كل المستويات واليكم بعض هذه الكوارث

التهديد والمضايقة والابتزاز:

- قد يتعرض الأطفال إلى محتويات مزعجة، مذلّة، مهينة، مُحرجة أو عدوانية في رسائل البريد الإلكتروني أو الدردَشة، وتتحول غرف الدردشة إلى أماكن خطرة إذ لا يمكن أن نعرف هوية جميع المشاركين في المحادثة، لذا، فمن السهل ابتزاز شخص ما أو مضايقته، فإذا تجاوز الأمر حده ينبغي إبلاغ الشرطة.

و ليس من الضروري أن يكون الطِفل هو الضَحية دائماً بل يمكن أن يكون هو من يقوم بإرسال التهديدات لذا عليه أن يعرف بأن هذا الفعل غير مقبول و يعرض فاعلهُ للمُلاحقة القانونِية، وإن حاوَل إخفاء هويتُه الحقيقيَة فتوجد طرائق عديدة لتعقب الفاعل والكشف عن قِناعه

التعصُب الديني والعِرقي والتَشجيع على العُنف:

-إن مفهُوم التلوث الثَقافي يعني إضعاف القيم، تصارعها أو غيابها من خلال تقديم معلومات غير صحيحة ومشككة. و يشمل جملة من التَهديدات للمُعتقدات، مِن خِلال التعصُب الديني، والعِرقي، إلى جانِب التَهديد الأخلاقي، المُتمثِل في انهيار النُظُم الأخلاقِية، الّتي تُشكِل دَعامة النُظُم الإجتماعِية خُصوصاً و أن شبكة الإنترنِت تَعِج بِالمواقِع غير الأخلاقِية و الإباحِية.

و يتعرضُ الأطفال إلى سِلسِلة مُتواصِلة من العُنف بِدءاً مِن المواقِع على الإنترنِت مع النّكات القاسِية والعُنصُرية في كثيرٍ من الأحيان، إلى أفلام إباحِيّة وألعاب فيديو، وصُور ورُسوم مُتحرِكة بأسلوب عنصري، ومشاهد عُنف من واقع الحياة على مواقِع مِثل يوتيوب، وُصولاً إلى صُور بشِعة على مواقِع أخرى.

 البَيع غير المَشروع للأسلِحة والبضائِع المسروقَة و المُخدرات والمَواد الممنوعَة:

يُمكن الضغط على عنوان الويب الأسود في المتصفح ولن يظهر شيء. ولكن عن طريق تحميل برنامج خاص مُتاح بِحُرية على شبكة الإنترنِت، يُمكن للشخص الوُصول عبر العنوان نفسه إلى عالم مجهول مليء ّبالشرور ومن دون الخوف من الوقوع أو الإمِساك بِه. فالمُخدرات والأسلِحة والإرهاب والمواد الإباحِيّة والنّصائح المُقززة ليست بعيدة عن الطفل سوى بِكبسة زِر واحِدة.

التِجارة الإلكترونِية:

- إغراق السوق هذه الأيام بالهواتِف الذَكية يجعل الطِفل مُرتبطاً بها فيتخلى عن المحمول ما يؤدي إلى صُعوبة المُراقبة عند استعماله للإنترنِت ويزيد من تطور التِجارة الإلكترونِية. فُيمكِن بالتالي للطِفل أن يشتَري أي برنامِج أو تَطبيق من الإنترنِت بكُل سُهولة مِن طَريق الدُخول عبرَ كلمَة المُرور فقط.

الإستِغلال و التّحرُش الجِنسي بالأطفال:

- أثناء تصفُح الإنترنِت، يقوم الأطفال بتكوين صداقات و التعرُف إلى أشخاص جُدّد من خِلال الشبكات الإجتماعِية مثل الفيسبوك و غُرف الدردشة و المُراسِل الفوري، و أحياناً يتِم اغراؤهم بالالتقاء. و يُمكن للقاءات مِن هذا النُوع أن تُهدد سلامة الطِفل. ويستخدم مُرتكبو الجرائِم الجِنسية والمُتحرشون بالأطفال، بشكل خاص، غُرف الدردشة والمُنتديات وبرامج المُراسلة الفورية لِكسب ثِقة الطفل ولترتيب لِقاء وجهاً لوجه بهدف الإستِغلال الجِنسي. كما يؤدي هذا الفعل الى التعنيف الجِنسي وهو عبارة عن عملية تهديد أو ابتزاز يقوم بها الفاعل و يطلب من الضحية ارسال صور و مقاطِع فيديو إباحية له مُهدداً اياه بنشر محتوى معين في حال لم يستجب لِتهديداته، لذا فإن أخذ صور أو لقطات حميمية يجعل من الفاعِل فريسة سهلة للمُحتالين و للمُتحرِشين.

ولا بد أن نشير الى العواقِب النفسِية لهذه الأمور نذكر منها تشوية السُمعة، التشهير، الشُعور بالإحراج، العُزلة الإجتماعية...، لا سيما في حال تم نشر هذه الملفات على الشبكة او تم ارسالها الى الأصدقاء، المعارِف أو الأقارِب و يعود السبب في أكثر من الأحيان الى الرغبة في الإنتقام بعد فَسخ علاقة غرامِية أو انتهاء علاقة أصدِقاء.

ولابد أن نشير كذلك إلى الفيروسات وهي برامج مُخصصة للتسلل إلى نظام الحاسوب، بِهدف تدميره أو تعطيل آدائه من دون رضا المالِك. و ما إن تم تثبيت البرمجية الخبيثة فإن من الصعب جداً ازالتها. و يتراوح أذاها حسب درجَة البرمجية من ازعاج بسيط ( بعض النوافذ الإعلانية غير المرغوب بها من خلال عمل المُستخدم على الحاسوب سواء أكان مُتصلاً بالشبكة أم غير مُتصل بها ) إلى أذى غير قابل للإصلاح يتطلب إعادة تهيئة القرص الصّلب على سبيل المِثال.والأطفال أكثر عرضة للتعرض الى تلك البرامج الخبيثة لقلة خبرتهم بها والوقاية منها. وهناك أمر غاية في الأهمية وهو القُمار و لِعب الميسر عبر الشّبكة فهُناك العديد مِن مواقع المُقامَرة على الإنترنِت وعلى الجّوال، يُمكن لأي شخص لديه بِطاقة إئتمان أن يُشارِك بالمُقامَرة. و على الأطفال أن يُدركوا أنّه من غير القانوني للقاصِرين أن يُشارِكوا في المُقامِرة.وعلى الآباء الانتباه جيدا لهذا الأمر.

عزيزي القارئ، بعد أن استعرضت معك مخاطر استخدام الانترنت، هل نترك أولادنا فريسة سهلة بدون توعية أو حماية؟ بالطبع لا، فأولادنا هم أغلى ما نملك ووجب علينا أن ننتبه لهم ونحميهم، ولكن كيف نستطيع ذلك في ظل هذا العالم المتسارع وتلك التكنولوجيا التي تذهب بعقل الكبير قبل الصغير؟

وهنا إليكم بعض النصائح التي يجب الأخذ بها.

علينا أن نصادق أبناءنا وأن نتقرب منهم ونناقشهم ونتحاور معهم وأن نوضح لهم تلك المخاطر التي تعصف بالجميع ويكون ذلك بطريقة مبسطة حتى يستوعب أطفالنا مدى الضرر الذي يلحق بهم، أما الخطورةالتالية فهي أن نكون جزءا من شبكة العلاقات التي هم جزء منها حتى نتعرف على أصدقائهم وعلى المواقع التي يدخلون إليها ناهيك عن برامج الحماية التي بدأت في الانتشار ويمكن من خلالها تحديد المواقع التي يمكن دخول الأطفال اليها والتي تحظر كافة المواد التي لا تتناسب مع الطفولة.ولابد كذلك من تحديد ساعات استخدام الأجهزة الالكترونية ولا نترك الأمر حسب رغبة الطفل أي أن الأب يضع نظاما مقننا لهذا الاستخدام وأن يقوم بفصل الانترنت في ساعة محددة.على الآباء عدم الاهمال أو التراخي في اتخاذ تلك الاجراءات فالأمر خطير يستدعي الانتباه والحذر..حفظ الله أبناءنا جميعا وحفظ مجتمعاتنا من كل سوء.

العدد الثامن الانترنت ، مخاطر الانترنت ، الاطفال ، تكنولوجيا

مواضيع ذات صلة