مدونة عبدالحكيم الأنيس


عذاب الهـدهد والتنفيس عن الذات (1)

د. عبدالحكيم الأنيس | Dr. Abdul Hakeem Alanees


23/08/2022 القراءات: 342  


كلنا يقرأ قصة الهدهد، وقولَ سليمان عليه السلام: {‌لأعذبنه ‌عذابًا شديدًا} [النمل: 21]، فما هو ذلك العذاب الشديد؟
الذي قاله المتقدِّمون ما يأتي:
روى عبدالرزاق (ت: 211) عن عبدالله بن شداد قال: "نتفه وتشميسه".
وعن ابن عباس: "نتفه" .
وقال مجاهد: يعني: "أن ينتف ريشه، ويشمسه" .
وقال مقاتل: "يعني: لأنتفن ريشه فلا يطير مع الطير حولًا" .
وقال قتادة: "وعذابه أن ينتف ريشه، وأن يذره في المنزل حتى تأكله الدودُ والنمل" .
ونقلَ هذه الأقوالَ الطبري بأسانيده.
***
ثم ظهرتْ معان أخر، منها أنه سيُحوجه إلى جنسه، أو سيُفرِّقه عن إلفه، أو سيَحبسه مع ضدِّه، أو سيَحبسه في قفص، أو سيُغرِّبه عن وطنه، أو سيجعله يخدمُ أقرانَه (أو امرأته!)، أو سيجوعه، أو يزوِّجه بهدهدة عجوز! إلى غير ذلك.
وهناك مَن جمع بين عددٍ من هذه الأقوال.
وكأنَّ القائلين كان يعانون شيئًا من هذا، ولا سيما الكينونة مع الأضداد!
وتوارد المفسِّرون على ذكر ذلك:
قال الثعلبي (ت: 427): "قيل: لأودعنه القفص، وقيل: لأفرقنَّ بينه وبين إلفه، وقيل: لأمنعنه من خدمتي، وقيل: لأجمعنَّ بينه وبين مَنْ لا يجانسه، وقيل: لأبددنَّ عليه وقته" .
وقال الماوردي (ت: 450): "فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه نتف ريشه حتى لا يمتنع مِن شيء، قاله ابنُ عباس. الثاني: أن يحوجه إلى جنسه. الثالث: أن يجعله مع أضداده" .
وقال القشيري (ت: 465): "ومِنْ ذلك صحبة الأضداد والابتلاء بمعاشرتهم" .
وقال السمعاني (ت: 489): "فيه أقوال: أحدها -وهو الأشهر- أنه نتف ريشه وإلقاؤه في الشمس فيأكله النمل. ويُقال: هو حبسه مع الضد" .
وقال الكرماني (ت بعد: 500): "... وقيل: يجمعُه مع مَنْ ليس مِنْ جنسه" .
وقال البغوي (ت: 516): "واختلفوا في العذاب الذي أوعده به، فأظهر الأقاويل أنْ ينتف ريشه وذنبه ويلقيه في الشمس مُمَعطًا، لا يمتنع مِن النمل ولا مِن هوام الأرض. وقال مقاتل وابنُ حيان: لأطلينه بالقطران ولأشمسنه. وقيل: لأودعنه القفص. وقيل: لأفرقن بينه وبين إلفه. وقيل: لأحبسنه مع ضده" .
وقال أبو حفص النسفي (ت: 537): "قيل: أي: لأنتفنَّ ريشه ولأطرحنَّه في الشمس، وهو قول ابن عباس، ومقاتل بن سليمان. وقال مقاتل بن حيان: لأَطليِنَّه بالقَطِران ولأشمّسنّه. وقيل: لأمنعنّه من خدمتي. وقيل: لأفرِّقن بينه وبين إلفه. وقيل لأغيبنّه عن وطنه. وقيل: أي: لأضُمَّنه إلى خلافِ جنسه" .
وقال الزمخشري (ت: 538): "وقيل: كان عذاب سليمان للطير أن ينتف ريشه ويشمسه. وقيل: أن يطلى بالقطران ويشمس. وقيل: أن يلقى للنمل تأكله. وقيل: إيداعه القفص. وقيل: التفريق بينه وبين إلفه. وقيل: لألزمنه صحبة الأضداد. وعن بعضهم: أضيقُ السجون معاشرةُ الأضداد" .
وقال ابنُ عطية (ت: 542): "ورُوي عن ابن عباس، ومجاهد، وابن جريج أن تعذيبه للطير كان بأن ينتف ‌ريشه. وقال ابنُ جريج: ريشه كله أجمع، وقال يزيد بن رومان: جناحه، وروي عن ابن وهب أنه بأن ينتف بعضه ويُبقي بعضه" .
وقال ابنُ الجوزي (ت: 597): "قوله تعالى: ‌(لأعذّبنَّهُ ‌عذابًا شديدًا) فيه ستة أقوال: أحدها: نتف ريشه، قاله ابنُ عباس، والجمهورُ. والثاني: نتفه وتشميسه، قاله عبدالله بن شداد. والثالث: شد رجله وتشميسه، قاله الضحاك. والرابع: أن يطليَه بالقطران ويشمّسه، قاله مقاتل بن حيان. والخامس: أن يودِعه القفص. والسادس: أن يفرِّق بينه وبين إِلفه، حكاهما الثعلبي" .
وتركَ ابنُ الجوزي من تفسير الثعلبي "وقيل: لأمنعنه من خدمتي، وقيل: لأجمعنَّ بينه وبين مَنْ لا يجانسه، وقيل: لأبددنَّ عليه وقته" فلم ينقله.
وقال الرازي (ت: 606): "قال ابنُ عباس: إنه نتف الريش والإلقاء في الشمس. وقيل: أن يُطلى بالقطران ويشمس. وقيل: أن يلقى للنمل فتأكله. وقيل: إيداعه القفص. وقيل: التفريق بينه وبين إلفه. وقيل: لألزمنه صحبة الأضداد. وعن بعضهم: أضيقُ السجون معاشرة الأضداد. وقيل: لألزمنه خدمة أقرانه" .
وقال العز بن عبدالسلام (ت: 660): "بنتف ريشه حتى لا يمتنع من شيء. أو بإحواجه إلى جنسه. أو بجعله مع أضداده" .
وقال البيضاوي (ت: 685): "(لأعذبنه ‌عذابًا شديدًا) كنتف ريشه وإلقائه في الشمس، أو حيث النمل يأكله. أو جعله مع ضده في قفص" .
وقال محشيه شيخ زاده (ت: 951): "عدّ ذلك من العذاب الشديد لما قيل: أضيقُ السجون معاشرة الأضداد" .
وقال أبو البركات النسفي (ت: 710): "بنتف ريشه وإلقائه في الشمس. أو بالتفريق بينه وبين إلفه. أو بإلزامه خدمة أقرانه. أو بالحبس مع أضداده، وعن بعضهم: أضيق السجون معاشرة الأضداد. أو بإيداعه القفص. أو بطرحه بين يدي النمل ليأكله" .
وقال الخازن (ت: 741): "قيل: هو أن ينتف ريشه وذنبه ويلقيه في الشمس مُمَعطًا لا يمتنع من النمل ولا من غيره. وقيل: لأودعنه القفص ولأحبسنه مع ضده. وقيل: لأفرقنّ بينه وبين إلفه" .
وقال أبو حيان (ت: 745): "أُبهِمَ العذابُ الشديدُ، وفي تعيينه أقوالٌ متعارضةٌ، والأجودُ أن تُجعل أمثلة. فعن ابن عباس، ومجاهد، وابن جريج: نتف ريشه. وقال ابنُ جريج: ريشه كله. وقال يزيد بن رومان: جناحه. وقال ابنُ وهب: نصفه ويبقي نصفه. وقيل: يُزاد مع نتفه تركه للشمس. وقيل: يُحبس في القفص. وقيل: يُطلى بالقطران ويُشمس. وقيل: يُنتف ويلقى للنمل. وقيل: يُجمع مع غير جنسه. وقيل: يُبعد من خدمة سليمان عليه السلام. وقيل: يُفرق بينه وبين إلفه. وقيل: يُلزم خدمة امرأته [كذا هنا وفي سائر المواضع: أقرانه]" .
وقال الشيخ نعمة الله بن محمود النخجواني (ت: 920): "(لأعذبنه ‌عذابًا شديدًا) بحيث آمرُ بنتفِ ريشه، وحبسهِ في حرِّ الشمس، في محبسٍ مضيق، مع ضدِّه" . وهذا جمعٌ بين الأقوال!
وقال أبو السعود (ت: 982): "قيل: كان تعذيبه للطيرِ بنتفِ ريشه وتشميسه. وقيل: بجعله ‌مع ‌ضده في قفص. وقيل: بالتفريق بينه وبين إلفِه" .
وقال إسماعيل حقي (ت: 1127): "وقيل: لأزوجنّه بعجوز، كما في "إنسان العيون"." .
يتبع


عذاب الهدهد


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع