مدونة الدكتور محمد محمود كالو


الانتحار شهقة اليائسين ، أ.د. محمد محمود كالو

الأستاذ الدكتور محمد محمود كالو | Prof. Dr. Mohamed KALOU


01/09/2022 القراءات: 113  


الانتحار شهقة اليائسين
الانتحار: هو قتل الإنسان نفسه عمداً، وهو رد فعل مأساوي لمواقف الحياة الصعبة واليائسة والمسببة للضغوط، حيث يعتقد المنتحر أنه لا توجد وسيلة لحل مشكلاته، وأن الانتحار هو الطريقة الوحيدة لإنهاء الألم واليأس.
وتحتل المشاكل الغرامية مرتبة متقدمة بين أسباب الانتحار، سواء بالشجار بين العاشقين، أوبرفض الأسر لخطيبة ابنهم أو خطيب ابنتهم.
وقد ذكرت الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي أمس الأربعاء 04 صفر 1444 هـ الموافق 31 أغسطس/آب 2022م أنه قضى شاب سوري انتحاراً بسلاح حربي أمام الجنازة، عقب انتحار حبيبته في بلدة الجرذي بريف محافظة دير الزور، بعد رفض عائلتيهما زواجهما وإصرارهم على تزويج الفتاة برجل متزوج يكبرها في السن، وهذا لا يجوز في الإسلام بل يحرم على الأب أن يجبر ابنته على الزواج ممن لا تريد ، فهذا مخالف للأصول والعقول، وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ ([رواه البخاري ومسلم],
ولهذا ترجم البخاري رحمه الله على الحديث بقوله : "باب لا يُنكح الأبُ وغيره البكرَ والثَّيِّبَ، إلا برضاهما".
ويجب على ولي المرأة أن يتقي الله في بناته، فلا يزوجهن إلا ممن يرضين به من الأكْفَاء والنظراء، فإنه إنما يزوجها لمصلحتها لا لمصلحته الشخصية.
أما الانتحار فلقد حرّمته كل الدّيانات، والانتحار من أكبر الكبائر، قال الله جل وجل: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29]، وقال سبحانه: { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء:30].
وقال النبي ﷺ: ( ومَن قَتَلَ نَفْسَهُ بشيءٍ في الدُّنْيا عُذِّبَ به يَومَ القِيامَةِ ( [رواه البخاري].
وقال النبي ﷺ: (من قتَلَ نفسَهُ بحديدةٍ جاءَ يومَ القيامَةِ وحديدتُهُ في يدِه يتوجَّأُ بِها في بطنِهِ في نارِ جَهنَّمَ خَالدًا مخلَّدًا أبدًا ، ومن قَتلَ نفسَه بسُمٍّ فَسمُّهُ في يدِه يتحسَّاهُ في نارِ جَهنَّمَ خالدًا مخلَّدًا) [رواه البخاري ومسلم].
وفي مسند الإمام أحمد: (وَالَّذِي يَتَقَحَّمُ فِيهَا يَتَقَحَّمُ فِي النَّار) أي: والذي يحرق نفسه بنار الدنيا يعاقب بها في الآخرة.
فالانتحار من أقبح الكبائر في الإسلام، بل اعتبره بعض العلماء أشد إثماً من قاتل غيره، استناداً على هذه الأحاديث، إلا أن المنتحر لا يعد كافراً إلا إن كان قنوطه من رحمة الله تعالى قنوط كفر وإلحاد، أما مجرد قتله نفسه فيعتبر كبيرة من الكبائر لا تخرج من الملة، بدليل أن الطُّفَيْلَ بنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ أتَى النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، هلْ لكَ في حِصْنٍ حَصِينٍ ومَنْعَةٍ؟ قالَ: حِصْنٌ كانَ لِدَوْسٍ في الجاهِلِيَّةِ، فأبَى ذلكَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ لِلَّذِي ذَخَرَ اللَّهُ لِلأَنْصارِ، فَلَمَّا هاجَرَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ إلى المَدِينَةِ، هاجَرَ إلَيْهِ الطُّفَيْلُ بنُ عَمْرٍو وهاجَرَ معهُ رَجُلٌ مِن قَوْمِهِ، فاجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فأخَذَ مَشاقِصَ له، فَقَطَعَ بها بَراجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَداهُ حتَّى ماتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بنُ عَمْرٍو في مَنامِهِ، فَرَآهُ وهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، ورَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فقالَ له: ما صَنَعَ بكَ رَبُّكَ؟ فقالَ: غَفَرَ لي بهِجْرَتي إلى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ: ما لي أراكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قالَ: قيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ ما أفْسَدْتَ، فَقَصَّها الطُّفَيْلُ علَى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: اللَّهُمَّ ولِيَدَيْهِ فاغْفِرْ( [رواه مسلم]، وفيه: أنَّ قاتِلَ نفسِه لا يَكفُرُ إلَّا إذا كانَ مُستحِلًّا ذلك.
وأخيراً: يقول مصطفى لطفي المنفلوطي: "الانتحار منتهى ما تصل إليه النفس من الجبن والخور، وما يصل إليه العقل من الاضطراب والهوس، وأحسب ألا يقدم الإنسان على الانتحار وفي نفسه ذرة من العزم، أو في عقله لمحة من الحزم". [النظرات:2/130].


الانتحار، اليأس، قتل النفس، يتوجأ، يتحساه


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع