مدونة محمد كريم الساعدي


الاستشراق واسباب الظهور / الجزء الثالث

أ.د محمد كريم الساعدي | Mohamad kareem Alsaadi


05/09/2022 القراءات: 92  


يشير صاحب كتاب (الاستشراق و التاريخ الاسلامي) الدكتور(فاروق عمر فوزي) الى ان هناك ثلاثة دوافع شكلت مبررات اساسية لبداية ظهور الاستشراق و ساهمت في تحديد معانيه و اظهار نواياه ، وهذه الدوافع الثلاثة لا تخرج بعيداً عن المعاني الثلاثة التي اشار اليها (ادوارد سعيد ) ، وهذه الدوافع حسب وصف (فاروق عمر فوزي) هي:-
1- الدافع العلمي : الذي جعل من المستشرقين يضعون الخطط الملائمة لدراسة الشرق الاسلامي سواء اكانت هذه الدراسات صادقة و محايدة او ذات مرجعيات فيها الكثير من الغموض في تجديد اهدافها الحقيقية ، وهنا يرى فاروق عمر فوزي بأن هذه الدراسات القيمة و التي تقدم فائدة في تفسير التاريخ الاسلامي ولكنه يضع علامة استفهام حول الشطحات و التحريفات او التشويهات في هذه الدراسات والتي ينسبها الى جهل وتقصير في فهم النصوص العربية ، او بسبب بيئة المستشرق او ثقافية او الافكار التي تأثر فيها عبر مسيرته العلمية ، وهنا تظهر حقيقة هذه الاسباب التي ساهمت حتى في الدافع العلمي في تحريف العديد من الحقائق . واذا حاولنا ان نستخلص هذه الاسباب التي ادت الى التشويه وهي :-
أ‌- سوء في التفسير للنصوص العربية وهذا ما جعل بيتر المبجل يقع في تشويه النص القرآني .
ب‌- البيئة التي ساهمت في رسم صورة الشرقي المسلم كونه منافس وعنصر يسهم في هدم الحضارة الغربية.
ت‌- النظريات الثقافية والافكار الغربية التي جعلت من الاخر مغاير ومختلف ثقافيا و فكرياً مما جعل العديد من المستشرقين يقعون رهينة لهذه الافكار المنحازة وغير الموضوعية في هذا المجال .
2- الدافع الديني التبشيري ، وهذا الدافع رسم سياسة التمايز العرقي والديني بين ابناء الحضارتين الشرقية والغربية ، اذ اصبحت المسيحية هي من تمثل الغرب بحضارته و افكاره وسياساته التي كان ابرزها الحروب الصليبية كمبرر لتغير صورة الشرق من اجل ان يكون العالم مسيحياً تحت دولة عالمية واحدة ، بهدف وضع المسيحيين في المرتبة الاولى بحسب التصنيفات العالمية للبشر و دياناتهم ، والذي رأى فيه رجال دين بأن هذه الديانة هي التي تأتي في المرتبة الاولى و المعتنقين لها هم من لهم الحق في حكم العالم ، وهذا ما توضح فيما بعدفي الساسة التي تبناها بعض رجال الدين الذين حكموا اوربا او حتى النظريات التي اطلقها بعض الباباوات و المفكرين و الادباء ، والتي توجت في افكار دانتي التي هي امتداد لأفكار رجال الدين في تأسيس دولة عالمية يكون فيها الحكم على كافة انحاء العالم في هذه الدولة العالمية . علماً ان هذه السياسات قسمت العالم من حيث الصدامات الحضارية الى عالمين غربي مسيحي وفي مقابله الشرق المسلم الذي كان في مواجهة فكرية وثقافية دائمة ، وفي هذا الدافع الثاني يذكر (فاروق عمر فوزي) ان قيام الاسلام كديانة و دولة شكل في عقل الغربي خطراً على اوربا واصبح مشكلة سياسة وحضارية عنيدة للغرب الاوربي المسيحي الذي كان عليه ان يضع الخطط لمجابهة الشرق المسلم عسكرياً وعقائدياً ، وكان للجانب العقائدي تأثير اكبر وخصوصاً قد شكل بعد ذلك قاعده فكريه واسعة يستقى منها الحقائق عن الاسلام ، وكما ذكرنا سابقاً ان مجمع الكنائس في فينا اسهم في انشاء كراس لدراسة الشرق ولغاته ، وكذلك انشئت مراكز اخرى مثل مركز لدراسة تاريخ الاسلام و عقيدته في (طليطلة) في الاندلس عام (1250م) ، بالإضافة الى ذلك قد وضعت خطط لتشويه و الاساءة للإسلام معتمدين في ذلك على ما جاء في كتابات القديس (يوحنا الدمشقي) و المؤرخ البيزنطي (ثيوفانيس) و(بارثلميوس الاوديسي) وهذه الكتابات لهؤلاء الكتاب وغيرهم قد وظفت بشكل دقيق واصبحت اكثر تنظيماً في المراكز الاوربية ، وهنا يؤكد (فاروق عمر فوزي) على هذه الحقيقة من خلال ما ذكره المؤرخ (ساثرين) في ان مواجهه الخطر الثقافي و الحضاري للاسلام يجب ان يكون من خلال تكثيف حملات التحريف و التزييف و التشويه والافتراء على الاسلام واهله ، مما دعا الى استمرار امثال هذه الكتابات المحرفة في العصور الحديثة .وهذا كله يشير الى طبيعة السياسة التي ساهمت في دفع الاستشراق ان تبنى عدد كبير من القائمين عليه لهذه السياسات في النظرة الى الاسلام و الى تشكيل صورة رسوله (محمد ص) في هذا المجال .
3- الدافع الاستعماري : لقد ساهم هذا الدافع في توجيه حركة الاستشراق الى وضع اليات و طرق جديدة في استخلاص المعلومات عن الشرق المسلم ، كون ان هذه الحركة قد اصبح لها مجال اوسع في الحكم كونها مدعومة هذه المرة بقوة عسكرية على ارض الواقع مما جعل استغلال الارض والفرد و الثقافة اسهل من السابق ، وتستمر حركة الاستشراق في رسم صورة مكملة للصورة السابقة وهي ان هذه الشعوب هي بعيدة عن الحضارة و بالتالي فان من اسباب تخلفها هي دينها وافكارها وثقافاتها وهنا يرى (فاروق عمر فوزي) بأن عدد من العاملين في حركة الاستشراق و القائمين على خدمة الاستعمار و الضالعة في ركبه كان لابد لها ان تقوم بدورها المرسوم و هو تصوير الشرق المسلم وشعوبه بصورة من التخلف الفطري وان توجد لدى ابناء هذه الديانة الاسلامية و ابناء الشرق بصورة عامة عدم الثقة بالنفس من خلال تبني ابناء هذه الحضارة للعقلية البسيطة و الساذجة القائمة على الخرافات و البعيدة عن التطور وجزء مهم من هذه الخرافات هي ما ساهم بها الدين الاسلامي ، و اظهار التفوق للفكر و الحضارة الغربية التي يجب ان تقوم هذه الشعوب على محاكاتها في كل شيء و الابتعاد عن الثقافة الأصلانية البعيدة عن التمدن ، واعتناق ديانة الغرب و نبذ ديانة الشرق وهي الديانة الاسلامية ، لذلك يساهم الاستشراق في كلا الحالتين ، اي انه بث معلومات تمجد الغرب وحضارته وديانته على ابناء الشرق المسلم ، و نقل معلومات الى ابناء الغرب فيها الكثير من التشويه و التحريف ، حتى يكون عدد كبير من المستشرقين قد اسهم في خدمة الاستعمار كما استفاد من ادوات الاستعمار في توسيع امتداداته المعرفية التي كان من الصعب ان يصل اليها دون الخدمة التي قدمها الاستعمار له (5) .


الاستشراق


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع