مدونة ا.د سلوان كمال جميل العاني


انهيار التعليم انهيار الامة

ا.د سلوان كمال جميل العاني | Prof.Salwan K.J.Al-Ani (Ph.D) FInstP


04/11/2022 القراءات: 102   الملف المرفق



ان اجمل بلد هو الوطن الحر الذي لا يحكمه الجهلة، وقد تقتل قطعة سلاح انساناً اما الافكار الخاطئة فقد تقتل شعوباً.
وقد سبقتنا دول كثيرة في بناء حضارتها فدولة موريشيوس مثلا هي دولة افريقية فقيرة والتعليم والصحة خدمة تقدمها الدولة مجاناً للمواطن وليست سلعة للبيع رغم عدم امتلاكها لموارد طبيعية ولا نفط ولامعادن وانما تعتمد على الانسان وتصدير المنتجات الزراعية والسياحة مورد استثنائي، اما الانفاق العسكري فيأتي في هامش الميزانية والصرف الفعلي على الصحة والتعليم والخدمات.
اما تايوان وهو بلد خال من أي موارد طبيعية وأرضه صخرية ويقع في بحر تتلاطمه العواصف من كل جهة، وبحاجة لاستيراد كل شيء حتى الرمل والحصى، ومع هذا يمتلك رابع أفضل احتياطي مالي في العالم، لأنه اختار الحفر في عقول أبنائه بحثاً عن الإبداع بدلاً من الحفر في الأرض بحثاً عن المعادن، فالبشر هم طاقته الوحيدة غير الناضبة والقابلة للتجديد. وتنتج 90% من الرقائق الالكترونية المتقدمة على مستوى العالم.
في دراسة لمنظمة مخرجات التعليم في خمسة و ستين دولة في مرحلة الثانوية وجد ان تايوان تتفوق مقارنة بما تحققه كل منها من دخل من مصادرها الطبيعية، وأن هناك علاقة سلبية بين الثراء المتحقق من الموارد الطبيعية، كالنفط، وبين مخرجات التعليم وما يحصل عليه الطلبة من معرفة ومهارات.
وتشير الدراسة بان قياس تقدم اي دولة ليس بما تمتلكه من ذهب وألماس ونفط ، خصوصاً أن هذه الموارد تضعف أي مجتمع في المدى البعيد، إن لم يتم الاهتمام بالتعليم والثقافة، وبما تنفقه على خلق المدرس الناجح، وتربية الاجيال وزرع الجدية فيهم والاهتمام بمقرراتهم.
فمستوى مخرجات التعليم هو الذي سيحدد قوة أمم المستقبل وثراءها وليس الدخل من الموارد الطبيعية، فالمعرفة والمهارات هما عملة المستقبل.
وسنغافورة جزيرة صغيرة بلا موارد طبيعية على الاطلاق، وهى البلد الاصغر مساحة فى جنوب شرق أسيا، لذا كان القرار التاريخي لسنغافورة هو الاعتماد على الأنسان، باعتباره رأس المال والثروة الحقيقية التي يمكنها العبور بالبلاد نحو مستقبل اقتصادي مشرق.
وبحلول التسعينات من القرن الماضي بدأت بالمشاركة في تصنيع الرقاقات، ودخلت مجال اللوجستيات وأبحاث التكنولوجيا الحيوية وصناعة الدواء وتصميم الرادارات المدمجة وهندسة الطيران والفضاء الجوي.
وتُخصص سنغافورة نسبة 20% من الموازنة السنوية للتعليم، للارتقاء بنظامها التعليمي الذي يعتبر أحد أفضل الأنظمة التعليمية على مستوى العالم، وساهم هذا التطور التعليمي في بناء كفاءات وخبرات ساعدت في عملية البناء الاقتصادي للبلاد، وهي أول دولة في العالم في تعليم الرياضيات والعلوم وأعلى مستوى تعليم في العالم عمومًا، واليوم سنغافورة هى خامس أغنى دولة فى العالم.
اما الهند فحتى العام ١٩٩٨ كانت تعاني من الفقر والامراض والجهل .. وكان حلم شبابها الهجرة الى الخارج الى ان بنت مدينة إلكترونية لصناعة تقنية المعلومات في مدينة بنجالور الفقيرة، ووضعت خطة حقيقية على مدى ١٠ سنوات لتعليم وتأهيل مليون طالب لتكنولوجيا المعلومات، وعملت ٧ معاهد تكنولوجية متطورة أُلحِق بها ٥٠ الف طالب متفوق فى السنة الاولى ، ثم بعثت ٢٤٠٠ طالب متفوق منهم يتعلموا فى امريكا وانجلترا والمانيا .. الذين قاموا بتعليم الاخرين ،
وتصدر الآن مدينة بنجالور وحدها برامج وخدمات تكنولوجية بـ ٣٣ مليار دولار، ورغم تضاعف عدد سكانها ٤ مرات فى اخر ٢٠ سنة من ٣ مليون الى ١١ مليون نسمة الا ان متوسط دخل الفرد ازداد فيها بـ ١١ مرة. واليوم وصلت صادرات الهند من برامج الكمبيوتر الـ 156 مليار دولار سنويا .. ويتم حاليا تدريب4 ملايين طالب هندي في 1832 مؤسسة تعليمية متخصصة في التكنولوجيا الحديثة من تقنيات البلازما والنانو والخلايا الجذعية والمجالات الحديثة فى العالم لتلحق بركب التطور.
والدرس الذي نستفاد منه للنهوض هو التعليم الذي تبنته المانيا واليابان فى الستينات والصين فى السبعينيات والنمور الاسيوية فى الثمانيات و تركيا والبرازيل والهند سنة ٢٠٠٠ وتبعتهم اثيوبيا ورواندا فى ٢٠١٠، وجميع هذه الدول نهضت فى اقل من ١٠ سنوات من اصلاح التعليم ، ولانهم اعتبروا المعلم ضمير والتلميذ أمانة فاذا ضاع الضمير ضاعت الأمانة.
فاذا اردنا ان نكون أمة محترمة يجب ان نوقر العِلم والعلماء ونوفر البيئة الآمنة لهم والمناسبة لاستمرار عطائهم العلمي والبحثي، وزيادة ميزانيات البحث العلمي والتعليم العالي في بلداننا، والاستفادة من خبرات تلك العقول المهاجرة في الربط بين نشاطهم العِلمي والتكنولوجي مع احتياجات المجتمع، وايجاد حلول ذكية للتحديات التى تواجه الإنسان سواء في مجال التعليم، والاقتصاد، والأمن، والتكنولوجيا ، والصناعات الالكترونية وتقنية المعلومات.
لقد اوضحت جائحة كورونا ( كوفيد – 19 ) اهمية وجود العلماء والخبراء واصحاب التجربة في ظروف الازمات، ولذلك نقول بانه آن الاوان لإعادة ترتيب المجتمع ليكون المعلم قبل اللاعب، والباحث قبل الممثل، والطبيب قبل المطرب، والعالِم قبل الراقصة.
وقد كُتبت العبارة التالية في جامعة هارفرد : (ألم الدراسة لحظة وتنتهي لكن إهمالها ألم يستمر مدى الحياة)، والتي تذكرنا بما قاله الامام الشافعي قبل 1200 عام ( من لم يذق مرّ التعلم ساعة تجرّع ذُل الجهل طول حياته).
ونختم برسالة معبرة لاحد الاساتذة في جامعة بجنوب افريقيا الى طلبته وهذا نصها:
(تدمير اي أمة لايحتاج الى قنابل نووية أو صواريخ بعيدة المدى ولكن يحتاج الى تخفيض نوعية التعليم والسماح للطلبة بالغش فيموت المريض على يد طبيب نجح بالغش وتنهار البيوت على يد مهندس نجح بالغش ، ونخسر الاموال على يد محاسب نجح بالغش ، ويضيع العدل على يد قاضي نجح بالغش، ويتفشى الجهل في عقول الابناء على يد معلم نجح بالغش. .ان انهيار التعليم هو انهيار الأمة).


الوطن الحر، مورشيوس، سنغافورة، تايوان، الهند، الرقائق الالكترونية، المعلم ، التلميذ، ترتيب المجتمع


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع


احسنت استاذ سلوان . منشور ذو فوائد كبيرة