مدونة أ. د. محمود أحمد درويش


إعادة كتابة تاريخ الحملة البريطانية على مدينة رشيد المصرية 1807 في ضوء وثائق الأرشيف البريطاني (3)

أ. د. محمود أحمد درويش | Mahmoud Ahmed Darwish


03/10/2022 القراءات: 90  


وعلى الرغم من كثرة الوقائع التاريخية التي جرت أحداثها على أرض مصر، فإن شهرة بعض الوقائع قد طغى على الأخرى، رغم أن بعض تلك الوقائع قد جرت أحداثها فى مكان واحد وفى فترة زمنية متقاربة، ولعل أقرب الأمثلة على ذلك ما قام به رجال المقاومة الشعبية فى رشيد ودورهم فى إلحاق الهزيمة بجنود الحملة الإنجليزية بقيادة فريزر فى مارس 1807، علما بأنه قبل هذا التاريخ بتسعة أعوام وفى مدينة رشيد وتوابعها إدكو وإدفينا، كانت هناك مقاومة شعبية قوية ضد الحملة الفرنسية، خاصة وأن سقوط المدينة فى يد الفرنسيين بعد هروب المماليك منها، كان إيذانا بتوهج واشتعال المقاومة الشعبية وصمودها فى مواجهة الحملة.
فلماذا اشتهرت واقعة هزيمة الإنجليز في رشيد، ولم تشتهر كذلك حركة المقاومة الشعبية ضد الفرنسيين فيها؟ هل لأن هزيمة الانجليز قد جرت في بداية عهد محمد على وفى وقت بدأ يفرض فيه سيطرته على البلاد، ومن ثم سُجلت أحداث تلك الحملة للدلالة على أهمية وقوعها في عهده؟ أم أن المقاومة الشعبية لحملة فريزر قد اشتهرت بما ابتكره الأهالي من أساليب للدفاع والمقاومة واستخدام الخديعة والمفاجأة؟ وهل يرجع أيضا عدم شهرة المقاومة الشعبية للحملة الفرنسية على رشيد إلى أن تلك الفترة قد شهدت حركات للمقاومة في شتى أرجاء البلاد، بحيث لم تخل قرية من القرى أو مدينة من المدن من المقاومة، فأصبحت المقاومة في رشيد كغيرها من حركات المقاومة المنتشرة فى البلاد تتقارب فى سماتها من حيث الحماسة والوطنية والصمود والبسالة؟.
وتبرز الأحداث التي مرت بها الحملة العسكرية التي وجهتها بريطانيا إلى مصر، والتي نتج عنها احتلال الإسكندرية، أن العثمانيين قد أهملوا دفاعاتها وتحصيناتها وقلصوا القوات المدافعة عنها، لدرجة أسقطت المدينة التي لم تتمكن من التصدي لقوات الحملة، والمعركة التي وقعت على أرض رشيد والتي كانت بين قوى غير متكافئة، بين شعب رشيد بقيادة علي بك السلانكلي محافظ المدينة وحسن كريت قائد المقاومة الشعبية، وجيش الامبراطورية البريطانية بقيادة اللواء ماكينزي فريزر، والتي انتصر فيها شعب رشيد انتصارا ساحقا، وحقق أقسى الهزائم في تاريخ العسكرية البريطانية، وحسم الصراع العالمي بين القوى العظمى في ذلك الوقت، وقد أثار الحسرة في نفوس القادة السياسيين والعسكريين أن مدينة صغيرة مثل رشيد تتصدى وتهزم جيش الامبراطورية البريطانية، على حد قولهم.
تُبين الرسائل الاستعدادات لغزو مصر والتي بدأت باحتلال الثغور وأولها الإسكندرية تليها رشيد ومن بعدها دمياط، وإمكانية السيطرة بعد ذلك على البلاد في حملة استعمارية لم تكن بقرار من فرد، وسنلاحظ من الرسائل وما يليها في الموضوعات المختلفة الدور الذي لعبة الجواسيس البريطانيين وأولهم القنصل البريطاني ميسيت في مصر، وكذلك الدور الذي قام به بتروتشي القنصل البريطاني في الإسكندرية ورشيد في التمهيد لهذه الحملة في مراحلها المختلفة، حيث كانوا يُرسلون المعلومات عن قوة وحالة القوات بالمدينة وحالة البطاريات والدفاعات أيضا. وبادعاء أن هدف الحملة ليس غزو مصر، بل مجرد الاستيلاء على الإسكندرية لغرض منع الفرنسيين من استعادة مكانتهم فيها، إلا أن تأكيد القادة على توفير الأمن والحماية لجميع الأطراف التي يجب أن تظل على علاقات ودية مع بريطانيا، يؤكد الدور الاستعماري لها والذي كان يتضمن احتلال مصر ووضع المماليك على كرسي الحكم لتكون جزءً من الامبراطورية البريطانية.
أكدت الوثائق أن الغرور والصلف اللذان تمتع بهما قادة الحملة والحكومة البريطانية ومعهم الملك البريطاني جعلهم على اقتناع تام أن جيشا من نيف و6000 مقاتل، معظمهم من المرتزقة سيكون كافيا لإقامة حامية بالإسكندرية، واحتلال مصر، وكأن القادة لم يكونوا على دراية أن الحملة الفرنسية التي كانت تتكون من أكثر من 35 ألف جندي، تحملهم 300 سفينة ويحرسها أسطول حربي فرنسي مؤلف من 55 سفينة، لم يستمر وجودها في مصر لأكثر من ثلاث سنوات. وأنهم كانوا يظنون أنهم لن يجدوا في مصر مقاومة ذات شأن بسبب الاضطرابات التي مزقت شملها، وقد كانوا على يقين أن جيش المماليك سينضم إليهم بناء على وعود محمد بك الألفي، وأن الجيش العثماني قد أُمر صراحة بأن يترك لهم الأرض دون مقاومة بعد اتفاق بريطانيا مع الباب العالي، ولذلك لم يصحبوا معهم قوة كافية من الفرسان اكتفاء بما يظاهرهم به صنائعهم المماليك، وكانوا يعتقدون أنهم لا يلبثون أن يطأوا أرض مصر حتى يسارع اليهم المماليك من أنحاء البلاد لملاقاتهم والانضمام اليهم، فلما دخلوا الاسكندرية ولم يروا لهم أثرا أرسل إليهم القنصل الانجليزي يطلب من زعمائهم الحضوء ليلتقوا بمنقذيهم وحماتهم. إلا أنهم أغفلوا قوة المصريين الذين خيبوا ظنون البريطانيين، وألحقوا هزيمة نكراء بجيش الامبراطورية، غيرت مجرى الصراع الدولي تماما.
وكان الرعب الذي انتاب زعماء المماليك من ترك القاهرة خوفا على أسرهم وزوجاتهم من الألبان ومحمد علي، مع التعلل من أن يرتكب محمد علي جريمة في حق عائلاتهم، وأنهم اكتفوا بانتظار الجيش البريطاني، حتى يصل إلى القاهرة ليسلمهم الحكم، وكذلك خوف محمد علي من ترك القاهرة حتى لا يقفز المماليك إلى الحكم، فضلا عن الحرب بينهما وتفرغ الحامية والألبان معا في المشاركة في المعارك، جعل الجميع يتقاعس عن نجدة الإسكندرية ورشيد.


رشيد، الحملة البريطانية 1807، وثائق الأرشيفات البريطانية


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع