مدونة الدكتور محمد محمود كالو


هل كل من قال الحق قال خيراً؟

الأستاذ الدكتور محمد محمود كالو | Prof. Dr. Mohamed KALOU


01/09/2022 القراءات: 117  


هل كل من قال الحق قال خيراً؟
إن الدعاة من سلف هذه الأمة كانوا بحق شموس هداية، ومصابيح دجى، يسيرون بالناس نحو السعادة بما يعلمونهم من الخير، ويحذرونهم من الشر، ويأمرونهم بالفضيلة، وينهونهم عن الرذيلة، فتراهم لا ينطقون إلا بالخير، ولا يتكلمون إلا بالحق، وقد ألجموا لسانهم بلجام التقوى، فكانوا الرعيل الأقوى.
لكننا في هذا العصر بمثابة ريح عاصف تلقي بالناس في مهاوي الرذيلة
والفساد، فتراهم يقولون الحق بزعمهم لكنهم لا يقولون الخير، إذ هناك فرق شاسع بين قول الحق وقول الخير، فليس كل من قال الحق قال خيراً.
فالغيبة قول حق ولكن قوله شر ورذيلة، قال عليه الصلاة والسلام: "قيل ما الغيبة يا رسول الله؟ فقال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته) [رواه مسلم].
ومعاشرة الرجل زوجته حق، ولكن قوله للناس من أشد الرذائل، قال عليه السلام: (إنَّ مِن أشرِّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة، الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرَّها) [رواه مسلم].
كذلك تعليم الأطفال المسائل الجنسية حق، ولكن هذا الحق شر مستطير وفسق ورذيلة.
إذن ليس كل قول حق خير وفضيلة دائماً، فقولك لللأعور: يا أعور قول حق، ولكنه قلة أدب ورذيلة، وأن يقول الطبيب للمريض: أنت لا يرجى شفاؤك، ربما يكون قول حق ولكنه أيضاً شر ورذيلة.
لذلك دقق في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) [رواه البخاري ومسلم]، لم يقل: فليقل حقاً أو ليصمت، وإنما قال: فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، فتنبه.
فالمسلم إما أن يتكلم بخير فيغنم، أو يسكت عن شر فيسلم، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: " وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فَإِنْ كَانَ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ خَيْرًا مُحَقَّقًا يُثَابُ عَلَيْهِ وَاجِبًا أومندوبًا فَلْيَتَكَلَّمْ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَنَّهُ خَيْرٌ يُثَابُ عَلَيْهِ فَلْيُمْسِكْ عَنِ الْكَلَامِ سَوَاءٌ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ مُبَاحٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْكَلَامُ الْمُبَاحُ مَأْمُورًا بِتَرْكِهِ مَنْدُوبًا إِلَى الْإِمْسَاكِ عَنْهُ مَخَافَةً مِنِ انْجِرَارِهِ إِلَى الْمُحَرَّمِ أَوِ الْمَكْرُوهِ، وَهَذَا يَقَعُ فِي الْعَادَةِ كَثِيرًا أَوْ غَالِبًا". [المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1392: 2/19].
وأخيراً: يقول الله تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:42].
أود هنا أن أنبه الإخوة والأخوات إلى أننا نشاهد كثيراً من الروايات المنتشرة في برامج التواصل الأجتماعي ويتناقلها الناس ويروجون لها ، وإذا دققنا ووثقنا المسألة نجدها عار عن الصحة، وأن كثيراً من الأحاديث والأقوال منسوبة إلى غير أصحابها.
فلا يجوز لنا أن نلصق الكلام بأشخاص ونقوُّلَهم ما لم يقولوه، والأسوأ من ذلك أن ينسب أحدنا الكلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم كذباً فتصيب صاحبه الوعيد الشديد، قال عليه الصلاة والسلام: (مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) [رواه البخاري].
وفي هذا المجال مما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وليس بحديث: (الساكت عن الحق شيطان أخرس)، ليس بحديث ولو كان معناه صحيحاً.
ومنه ما نسب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وليس له: (حين سكت أهل الحق عن الباطل، توهم أهل الباطل أنهم على الحق)، فهذا القول ليس من أقوال علي رضي الله عنه، ولو كان معناه صحيحاً، ورحم الله الشيخ محمد متولي الشعراوي حينما قال: إن لم تستطع قول الحق فلا تصفق للباطل.


الحق، الخير، الشر، الرذيلة، الفضيلة، الباطل


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع