مدونة الدكتور لقرع بن علي


المشكلة الاقتصادية في الجزائر من منظور الاقتصاد السياسي

لقرع بن علي | Lagraa Benali


12/09/2019 القراءات: 1605  


يجب دراسة المشكلة الاقتصادية في الجزائر بالعلاقة مع طبيعة النظام السياسي الذي يحكم الدولة في إطار ما يسمى بمقاربة الاقتصاد السياسي. النظام الحاكم في الجزائر لديه مجموعة من المقومات التي تضمن استمراره ومن بينها الاقتصاد الريعي وبالتالي فإن السياسات الاقتصادية التي ترسم من طرف السلطة دائما تكون سياسات ريعية تضمن استمرارية الاقتصاد الريعي وفي نفس الوقت تضمن استمرارية النظام الحاكم. لهذا فالاقتصاد الريعي هو خيار انتهجه النظام الحاكم منذ الاستقلال وليس قدرا مفروضا علينا لأن هذا النظام يدرك جيدا أن أي تنمية اقتصادية حقيقية أو تطور اقتصادي سيؤدي مباشرة إلى تغيير جذري في أبنية المجتمع سياسيا واقتصاديا وثقافيا وعلميا ...الخ بمعنى أن المجتمع سيتغير من حالة التخلف إلى حالة التطور والحداثة وهذا بدوره سيؤدي منطقيا الى تحول ديمقراطي وتغيير النظام السياسي من حالة االتسلطية إلى حالة الديمقراطية وهذا الأمر مرفوض لدى السلطة الحاكمة.
لقد حدث هذا الأمر في دول عديدة أهمها كوريا الجنوبية والشيلي وتركيا، فهذه الدول الثلاث كانت تعيش في تخلف كبير في وقت مضى لكن مبادرة الأنظمة الحاكمة بسياسة تحديث اقتصادي أدت مع مرور الوقت إلى تغيير اجتماعي وثقافي ثم تحول ديمقراطي بمعنى أن التنمية الاقتصادية تؤدي إلى التصنيع وارتفاع مستوى التعليم وارتفاع مستوى التمدن والتحضر وهكذا فالمجتمع المتطور والمتحضر يرفض التسلطية ولا يتعايش مع الرداءة والتخلف والفساد ومنطقيا يطالب بالتحول الديمقراطي.وقد حدث نفس الأمر في اندونيسيا التي كانت دولة ريعية لكن عوامل جيواستراتيجية فرضت على الدولة التحول نحو الاقتصاد الإنتاجي والتطور مما أدى إلى نفس النتيجة وهي التحول من نظام عسكري تسلطي إلى نظام سياسي ديمقراطي.
وبالنتيجة فإن النظام الحاكم في الجزائر لا يمكنه الاستمرار والتعايش مع التطور الاقتصادي ومع مجتمع متحضر لهذا نجده يصر على انتهاج سياسات اقتصادية تبدو في ظاهرها ايجابية لكن في مضمونها سياسات ريعية والأمثلة هنا كثيرة. فخلال 15 سن السابقة انفقت الجزائر حوالي 1000 مليار دولار لكن في مجالات غير انتاجية والدليل على ذلك أنه في برنامج رئيس الجمهورية خلال العهدة الثانية أعطيت الاولوية لتحسين ظروف معيشة السكان بنسبة 45 بالمائة من البرنامج في حين خصصت 8 بالمائة منه لقطاعات حيوية وهي الصناعة والزراعة والصيد البحري والسياحة، فهل هذا معقول؟؟
إن هذا التحليل لا يعني عدم الاهتمام بتحسين الظروف المعيشية وإنما يجب أن يكون تحسين الوضع المعيشي للسكان نتيجة للتنمية الاقتصادية مثلما هو سائد في الدول المتطورة ولا يجب أن يكون غاية لسياسة اقتصادية ممنهجة وقائمة على توزيع الريع النفطي مثلما هو حاصل في الجزائر. إن أول الخطوات التي يجب المبادرة بها هي إجراء مرحلة انتقالية تؤدي منطقيا إلى تأسيس نظام ديمقراطي وإعادة بناء المؤسسات السياسية على أسس عقلانية ودستورية وفي نفس الوقت يجب إصلاح جذري للمنظومة التعلمية بجميع أطوارها، وكذلك يجب إعادة بناء القيم الأخلاقية في المجتمع على أساس قيمة العلم، وقيمة العمل الجاد، وقيمة الاعتماد على النفس وليس الاتكالية، ووضع علاقة بين دفع الضريبة مقابل الحصول على خدمات جيدة.
الاقتصاد الجزائري هو اقتصاد ريعي لم يتغير لا هو اقتصاد اشتراكي ولا هو اقتصاد رأسمالي. كما أن إصرار السلطة الحاكمة بالاعتماد المطلق على النفط كمورد أساسي هو خيار متعمد وليس عفويا تبنته السلطة الحاكمة منذ أمد بعيد، والسبب في ذلك هو أن هناك ارتباطا قويا بين طبيعة الاقتصاد وطبيعة النظام السياسي، فالاقتصاد الريعي هو إحدى المقومات الأساسية للنظام السياسي في الجزائر وهو يشكل ضمانة لاستمرار النظام الحاكم.
وبالرجوع إلى الدراسات المقارنة في علم السياسة، أكد رواد السياسة المقارنة - على غرار ليبست - أن التنمية الاقتصادية تؤدي مع مرور الوقت إلى تحول ديمقراطي. فالتنمية الاقتصادية تنعكس ايجابا على البنية الاقتصادية والاجتماعية، وبذلك فهي تؤدي إلى بروز نخب اقتصادية (قطاع خاص) ووجود طبقة متوسطة فاعلة لاسيما العمال والمثقفين، وتؤدي إلى ارتفاع مستويات التعليم والدخل وانتشار التمدن وتحسن ظروف المعيشة. وبالتالي فإن مخرجات التنمية الاقتصادية توفر البيئة الاقتصادية والاجتماعية المحفزة على بناء نظام سياسي ديمقراطي، وهنا يظهر مكمن الخوف لدى السلطة الحاكمة في الجزائر وخشيتها من الانتقال نحو اقتصاد إنتاجي متطور يعتمد على العلم والعمل والإنتاج بدل الاعتماد على الريع البترولي.
إن العقد الاجتماعي السائد حاليا في الجزار هو عقد ريعي يكرس الزبائنية والولاء بين السلطة والمواطن، فالسلطة توزع الريع والمواطن يستفيد منه وهو مطالب بالولاء والطاعة للحاكم. أما التنمية الاقتصادية والخروج من اقتصاد الريع يرتبطان بعقد اجتماعي جديد أساسه الضريبة والتمثيل وجودة الخدمات، وهنا نكون في علاقة مغايرة للأولى أساسها أن السلطة تبدع في الانجاز وتوفير جودة الحياة للمواطن مقابل الحصول منه على التأييد والمساندة.


الاقتصاد، المشكلة، الجزائر