مدونة محمد كريم الساعدي


أرسطو وفلسفة التمييز في صورة الفعل الدرامي

أ.د محمد كريم الساعدي | Mohamad kareem Alsaadi


15/09/2021 القراءات: 857  


إنَّ الاعمال المسرحية اليونانية القديمة التي نظّر لها الفيلسوف اليوناني(أرسطو طاليس) في كتابه (فن الشعر) والذي دوّن فيه أهم الخصائص المسرحية الخاصة بالمأساة والملهاة وغيرها من فنون الشعر ، إذ كان" لليونان ادب عال تأثر به الرومان وقلدوه، وعرف أدب هاتين الأمتين- فيما بعد – بالقديم والكلاسيكي وتنكرت القرون المتوسطة بقيادة الكنيسة لهذا الأدب لأنه يقوم على الوثنية .ولكنها لم توجد البديل والتزمت اللغة اللاتينية وهي لغة (غريبة) عن اللهجات المحلية ولا يعرفها الا القلة المثقفون ثم انها – أي الكنيسة – وقد بدأت تؤلف المسرحيات ,لم يكن لمؤلفاتها حظ من الإبداع وسعة المدى "(1) التي حصلت عليها المسرحيات اليونانية و ركزت هذا المفهوم لقوتها اللغوية وجزالتها الشعرية وإبداعها في ابتكار فن جديد اصبح من الفنون التي اهتمت بها الأمم الأخرى "ومن جراء تطور هذه الدعوة وسيرها المستمر إن ساد في( فرنسا ) , في القرن السابع عشر ,عصر لويس الرابع عشر أدب جديد قياسا الى الأدب القديم (اليوناني-الروماني)عرف فيما بعد بالأدب الكلاسيكي الجديد ثم اختصرت كلمة (الجديد) وعرف بالأدب الكلاسيكي كأنه صار أهلا للدراسة كما كان الكلاسيكي الاول وعرف المذهب الذي يقوم عليه الادب الجديد خلال القرن السابع عشر من تاريخ فرنسا الكلاسيكية classicisme "(2) لذلك فأن لفظة الكلاسيكية بشقيها القديم والجديد تطلق على المسرحية اليونانية والرومانية وكذلك على المسرحية في فرنسا في القرن السابع عشر .وهذه المسرحية في كلا الفترتين تحمل الخصائص الفنية و الاشتراطات الدرامية نفسها التي قامت عليها المسرحية عند اليونان وكما نظر لها (ارسطو) . أي أن "الكلاسيكية في صفاتها العامة تشمل انواع الادب الانساني المختلفة ولكنها في مجموع مبادئها تظهر ابرز مما تظهر في المسرحية ,وفي التراجيديا على وجه الخصوص وفي اشتراط الوحدات الثلاث(الزمان المكان والحدث)المنسوبة الى(ارسطو)"(3) .
أذن ، ماذا يتناول كتاب(فن الشعر) لمؤلفه (ارسطو) وخاصة في موضوعة المسرح والكتابة المسرحية ،إذ "يعد من الأوائل الذين أهتموا بالدراما وعناصرها وكذلك يعد من الاوائل الذين اشاروا الى المحاكاة لأنها أمر فطري موجود عند الناس منذ الصغر ,والإنسان يفترق عن سائر الإحياء بأنه أكثرها محاكاة وانه يتعلم بطريقة المحاكاة " (4) التي تظهر صورته أمام المشاهد ، هذه العملية التعليمية وما تشير إليه من متغيرات توضح تشكلاته في الحياة الاجتماعية ,نتيجة لهذه الصور المقدمة إمام المتلقين له . لذلك فأن الشخصية التي تتكون نتيجة هذه المحاكاة ويستفيد منها الإنسان في الواقع من الممكن أن توظف في الشخصيات الدرامية إذا أراد المؤلف أن يحاكيها ويقدمها بوصفها تمثل واقعا ملموسا له دوره في انتاج ثقافة معينة ,لذلك فأن المحاكاة عند اليونان أسهمت في تطوير الفنون ومن ضمنها المسرح , الذي انتج الشخصيات الدرامية اليونانية بمختلف مسمياتها (المأساوية أو الكوميدية) ، ومن هما فأن (أرسطو) يشير الى هذه الخاصية بقوله" لما كان المحاكون انما يحاكوه أفعالاً ,اصحابها هم بالضرورة أما اخيار ،أو اشرار لأن اختلاف الاخلاق يكاد ينحصر في هاتين الطبقتين إذ تختلف أخلاق الناس جميعا بالرذيلة والفضيلة فأن الشعراء يحاكون أما من هم افضل منا ,أو أسوأ ,أو مساوون لنا ,شأنهم شأن الرسامين "(5) الذين يقدّمون صورةٍ من محاكاة نماذج من الحياة العامة تقع في هذه المستويات الثلاثة التي اشار إليها أرسطو وهي الأعلى ،أو الأدنى ، أو المتساوي يحاكيه من صور الشخصيات الانسانية التي انطلقت في القرنين(الخامس والرابع قبل الميلاد)بمجموعة من الأعمال المسرحية لعدد من كتاب المسرح الاغريقي والذين تطورت على أيديهم، فالدراما " اليونانية كما نعرفها والتي تطورت حديثا نسبيا ظهرت بعد أن كان لدى اليونان تراث ممتد وثري من الشعر الملحمي والغنائي وغيره من الشعر غير الدرامي ، كانت الدراما جوهرياً أبداعاً لأثينا الكلاسيكية ، كان كل كتاب المسرح الذين اعتبرت أعمالهم من الكلاسيكيات لاحقا نشيطين في أثينا في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد (زمن الديمقراطية الأثينية) ويعود تاريخ كل المسرحيات عبر الزمن إلى تلك الفترة"(6) التي جسدت صورة الانسان في المسرح الاغريقي ومن بينها مسرحيات الثلاثي (اسخيلوس وسوفوكلس ويوربيدس).
الهوامش
1. علي جواد الطاهر ,الخلاصة في مذاهب الادب العربي، ط1, بيروت: دار الرائد العربي, 1984, ص 13.
2. نفسه ، ص 14.
3. نفسه , ص 16.
4. جبار عودة العبيدي ,ود. صلاح مهدي القصب ,مدخل في الدراما وتدرجها التاريخي , صنعاء :دار الفتح للنشر والتوزيع , 1992, ص 6 .
5. ارسطو طاليس ,فن الشعر , ترجمة: عبد الرحمن بدوي , بيروت: دار الثقافة , 1973، ص7,ص8.
6. مارتن بانم ,موسوعة المسرح, المجلد الثالث، ترجمة : محمود كامل , علي الغفاري ,القاهرة : المركز القومي للترجمة , 2018,ص247.


الفلسفة ، الفنون ، الآداب ، الثقافة ، الاستشراق ، ما بعد الكولونيالية


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع