مدونة عبدالحكيم الأنيس


ابن عفان لا ابن عقيل (تصحيح خطأ غامض)

د. عبدالحكيم الأنيس | Dr. Abdul Hakeem Alanees


22/12/2021 القراءات: 2118  


يسهو ناسخُ المخطوطات فيحرِّف ويصحِّف، فيحدث في النص المنسوخ مشكلاتُ تحتاج إلى نظرٍ ومراجعةٍ وتتبعٍ قد يطولُ لإعادة النص إلى سلامته، وفي ذلك يقول الجاحظ: "ولربما أراد مؤلف الكتاب أن يصلح تصحيفا، أو كلمة ساقطة، فيكون إنشاء عشر ورقات من حر اللفظ وشريف المعنى أيسرَ عليه من إتمام ذلك النقص حتى يرده إلى موضعه من اتصال الكلام".
ومن ذلك هذا المثال الذي أسوقه هنا:
قال الإمامُ أبو الفرج ابنُ الجوزي البغدادي في كتابه "صفة الصفوة" في ترجمة الزاهد الصالح أبي بكر محمد بن عبدالله الدينوري المتوفى في شعبان سنة (430) :
"كان يسكن الرصافة ببغداد، وكان زاهدًا خشن العيش.
وكان أبو الحسن القزويني يقولُ: عبر الدينوري قنطرةً خلف مَنْ بعدَه وراءه.
قال أبو الوفاء بنُ عقيل الواعظ: كنتُ شابًّا حديثَ السن أترددُ إلى مجلس ابن بشران الواعظ، وكان يعتاد عيني الرمد كثيرًا، فرآني ذات يوم في المجلس رجلٌ كان يبسط لابن بشران بساط المنبر يُقال له بكّار، فقال لي: أراكَ تدوم على حضور هذا المجلس؟ فقلت: لعلي أستفيد شيئًا ينفعني في ديني. فقال لي: اجلسْ حتى ينقضي المجلس، فجلستُ.
فلما انقضى المجلسُ أخذ بيدي وحملني إلى الرُّصافة، وجاء بي إلى بابٍ فطرقه فقال قائلٌ مِن داخل الدار: مَنْ؟ فقال: أنا بكار. فقال: يا بكار ألستَ قد كنتَ هاهنا اليوم؟ فقال: جئتُ في حاجة مهمة، ففتح البابَ وهو يقول: لاحول ولا قوة إلا بالله.
ثم دخلنا وإذا بشيخٍ جالسٍ مستقبل القبلة على رأسه نطع كالطرحة، فسلَّمنا عليه، فردَّ علينا السلام. فقال بكار: يا سيدي هذا صبيٌّ يداوم حضور المجلس، ويحبُّ الخير، وقد دام مرضُ عينه فادعُ له، فدعاني فأتيتُه، فأدخل خنصرَه في فيه، ثم مسحَ عيني به، فبقيتُ بعد ذلك نحو ستين سنة لم ترمد عيني، فلما خرجتُ سألتُ عنه فقيل لي: هذا أبو بكر الدينوري صاحبُ ابن سمعون.
توفي الدينوري في شعبان سنة ثلاثين وأربع مئة".
***
أقول: قرأتُ هذا الخبر فرابني فيه عدمُ انسجامه، لما يأتي:
- من المتفق عليه أنَّ وفاة الشيخ أبي بكر الدينوري كانت سنة (430)، نصَّ على ذلك ابنُ الجوزي هنا، وفي كتابه "المنتظم" (8/103)، وسبطُ ابن الجوزي في "مرآة الزمان" ص (380)، وابنُ كثير في "البداية والنهاية" (12/406).
- ووُلِدَ الإمامُ أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي البغدادي سنة (431) أي بعد وفاة الدينوري بسنةٍ، فكيف يزورُه ويقول: كنتُ شابًّا حديثَ السن؟
- ووصفُ ابنِ عقيل بالواعظ مستغربٌ، ولم تجرِ لابن الجوزي عادةٌ بذلك.
وقد تبيَّن لي بعدُ أنَّ في الاسم تحريفًا، وأن الصواب: عفان لا عقيل، و(أبو الوفاء ابن عفان) شخصٌ آخر، وهو محمد بن عبدالسلام بن علي بن عفان البغدادي، وكان واعظًا، حسن الوعظ، رضي السيرة، له صيتٌ وقبولٌ، وتوفي سنة (484)، أي بعد الدينوري بـ (54)، فيكون قد أدركه وهو شابٌّ حدث السن، وبذلك تتسقُ المعلومات وتصح.
وله ترجمة في "المنتظم" (9/59)، و"تاريخ الإسلام" (10/537-538).
وقد جاء الاسمُ على الصواب (أبو الوفاء ابن عفان) في:
1- نسخة مخطوطة من "صفة الصفوة" كُتبتْ سنة (603) .
2- وفي كتابٍ مخطوطٍ عُنون بـ "الطبقات" هو مختصرٌ من "صفة الصفوة" .
3- وفي المخطوط المعنون بـ "الجلوة في تلخيص صفة الصفوة" الورقة (270ب) .
4- وفي كتاب "عيون الحكايات" لابن الجوزي نفسه ص (341).
***
تنبيهان مهمان:
-جاء هذا الخطأ كذلك في ترجمة أبي بكر الدينوري في كتاب "مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألباب" للشريف محمد بن الحسن الواسطي (ت: 776)، (3/422). وتحرف كذلك تاريخُ وفاته في المطبوع من (ثلاثين وأربع مئة) إلى: (ثلاث وأربع مئة)، فليُصحح النص.
-وممن سرى عليه هذا التحريفُ الباحث الدكتور صالح المحمد الخالد الرشيد في رسالته: "ابن عقيل: حياته واختياراته الفقهية" (1/62) .
***


تحريف. النسخ.


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع


ما شاء الله، هكذا تكون خدمة العلم.


نفع الله بكم