كايدي


قراءة تاريخية في العلاقات الروسية الأوكرانية

سفيان خلوفي | soufyane kheloufi


09/01/2023 القراءات: 1185  


من بين جميع البلدان المجاورة لأوكرانيا، يعتبر الاتحاد الروسي أهم شريك لها. وتعتبر علاقات أوكرانيا مع موسكو (روسيا) القضية الأساسية في سياستها الخارجية لدرجة أنّ كل خيار من خيارات السياسة الخارجية الأوكرانية هو أولاً وقبل كل شيء خيار لشكل علاقاتها مع روسيا. وهو في الأساس نتيجة للوضع الجغرافي والجيوسياسي لأوكرانيا، وإرث قرون عديدة من الروابط السياسية والاقتصادية والثقافية بين هذين البلدين، فضلاً، عن موقع روسيا المهيمن لا محالة في العلاقات المتبادلة بينهما. علاوة على ذلك، هذا نتيجة لحقيقة أنّ الشريك الأكثر أهمية للاتحاد الأوروبي في شرق أوروبا هو روسيا، في حين أنّ أوكرانيا ينظر إليها من قبل الاتحاد الأوروبي بشكل رئيسي في سياق علاقاته مع روسيا (كلما كان ذلك أفضل لهذه العلاقات ولاسيما مع برلين وبروكسل وخاصة باريس). وفي حالة الولايات المتحدة، يختلف الوضع قليلاً، حيث أنّ الولايات المتحدة مهتمة باستقلال السياسية الأمنية لأوكرانيا عن تلك التي تتبعها روسيا بشكل تام. ومع ذلك، فإن الأمريكيين يرون أوكرانيا بشكل أساسي في سياق علاقاتهم مع روسيا. ومن ناحية أخرى، وبعد أكثر من عشرون سنة من وجود أوكرانيا كدولة مستقلة (1997)، ليس هناك شك في أنّ هذا البلد ليس لديه فرصة للانضمام إلى حلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي في المستقبل من وجهة نظر روسيا، بسبب العلاقات غير الطبيعية القائمة بين روسيا وأوكرانيا. على خلفية اعترف روسيا باستقلال أوكرانيا وحدودها وفق معاهدة علاقات متبادلة في سنة 1997، وهذا تحت ضغط من المجتمع الدولي، وهو ما يجعل العلاقات بين موسكو وكييف أكثر أهمية وحساسية.
ومن الواضح، أنّ العلاقة الأوكرانية الروسية هي علاقة غير متكافئة، ليس فقط من حيث الحجم أو القوة النسبية لكلا الجانبين، ولكن أيضًا من حيث موقعهما وبؤر الجاذبية. وعلى الرغم من بروز مفهوم "التعددية القطبية" بدل مفهوم "الثنائية القطبية" التقليدي، إلا أنّ روسيا لا تزال تتمحور حول نفسها وتحمل تحفظ عن الأمر، هذا من ناحية. من ناحية أخرى، تبدو أوكرانيا في سياستها الاستراتيجية متوجهة غربًا حتى عندما تنظر إلى روسيا باعتبارها الشريك الاقتصادي الأكبر والأكثر سهولة من الناحية الواقعية. حيث، إن الأمل الشيوعي القومي لروسيا في إعادة السيطرة على أوكرانيا مرهون اليوم على أساس رغبة أوكرانيا، و هو أسوأ كابوس لثلث سكان أوكرانيا، والذي يشمل معظم المثقفين والسياسيين ورجال الأعمال. ولا يختلف هذا التوجه الغربي من أوكرانيا عن جارتها بولندا في سيعييهما الصادق لاحتضان الغرب سواء من خلال بوابة حلف الناتو أو عضوية الاتحاد الأوروبي أو كليهما. وبالنسبة لهما، كلما اقتربوا من روسيا، كلما ابتعدوا عن الهدف المعلن والمتمثل في "الانضمام إلى أوروبا". وتؤكد القوى الموالية لروسيا أنّ الانضمام إلى روسيا أولاً هو الطريقة الواقعية الوحيدة لتحفيز تنمية أوكرانيا، والتغلب على تحدياتها قبل أنّ يصبح حلم أوروبا ممكنًا. ويجادل أصحاب هذا التوجه اليوم على أنّه وحتى تنضج الدولة بما يكفي للتعامل مع الغرب بثقة، فإنّ تحركها الغربي لا يمكن إلا أنّ يدمر اقتصاد أوكرانيا وثقافتها ويستبدلهم بوكلاء غربيين. وهذا الشئ في غاية الصعوبة والتعقيد وقد لا يحدث أبداً.
وقد بقية العلاقات بين روسيا وأوكرانيا في شكل صراعات دفينة غير مباشرة لغاية سنة 2014، أين تسبب الرئيس الأوكراني السابق "بترو بوروشنكو" والرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" في صراع جديد حول شبه جزيرة القرم، والتي عرفت عدة أحداث تاريخية. ولعل، ابرازها قرار ضم شبه جزيرة القرم في سنة 2008 لأوكرانيا. حيث، جاء هذا القرار بعد فترة وجيزة من وعد حلف شمال الأطلسي في قمته في بوخارست أوكرانيا (وجورجيا) بعضوية مستقبلية في الحلف. وبعد انتخاب "فيكتور يانوكوفيتش" رئيسًا لأوكرانيا، وفي 22 فيفري 2014 عرفت أوكرانيا أحداث مفاجأة جراء فرار الرئيس "يانوكوفيتش" مع مجموعة من كبار المسؤولين الأوكرانيين. وقد شكل هذا الفراغ المؤقت في السلطة فرصة ثمينة للغرب وحلف الناتو لتشكيل حكومة مؤقت تخدم مصالح وأجندة الغرب. ولكن الروسيين كانوا على دراية بهذا وتمكنوا من تنفيذ أحدث نسخة من خطط الطوارئ لضم شبه جزيرة القرم. وبعد سلسلة من الأحداث في شبه جزيرة القرم تقرر إجراء استفتاء، وتمت الدعوة للاستفتاء، على لم شمل شبه جزيرة القرم مع الاتحاد الروسي في 27 فيفري 2014، ونظرًا لضغط الوقت تم إجراء الاستفتاء في 16 مارس 2014، وقد اعتبر الاستفتاء من كثير من الأطراف وعلى رأسهم أوكرانيا استفتاء لا يتماشى مع المعايير الديمقراطية العالمية.
ومباشرة بعد الاستفتاء في 28 فيفري 2014، قام أفراد الأمن الروس بإغلاق جميع القنوات التلفزيونية الأوكرانية، وفرضوا حصارًا شديدًا على الحدود البرية مع الأراضي الأوكرانية الرئيسية، وأغلقوا رحلات مطار "سيمفيروبول" من أوكرانيا. وبالتالي، منعوا الانتشار في شبه جزيرة القرم الأوكرانية. وفرضوا هيمنتهم عليها وفقًا لسلطات القرم فقد شارك 81.36% من الناخبين المسجلين في استفتاء شبه جزيرة القرم، وصوت 96.77% منهم لصالح انفصالها عن أوكرانيا وللم شملها مع روسيا. وقد رفضت السلطات الأوكرانية الاعتراف بشرعية الاستفتاء ونتائجه على أسس دستورية. وقد شارك في هذا الرأي لجنة البندقية التابعة لمجلس أوروبا وعدد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. وفي 18 مارس 2014، تم توقيع معاهدة دمج شبه جزيرة القرم وسيفاستوبول في موسكو. وقد كانت هناك ثلاثة أطراف متورطة في نزاع القرم: جمهورية أوكرانيا والاتحاد الروسي وجمهورية القرم المتمتعة بالحكم الذاتي. حيث اختلفت مشاركة كل من هذه الجهات اختلافًا كبيرًا عن وجهات النظر والشرعية. وهذه الصراعات قد تكون بمثابة الفتيل لما تعيشه العلاقات الروسية والأوكرانية مع مطلع سنة 2022.


روسيا، أوكرانيا، تاريخ، علاقات.


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع