مدونة د. احمد جابر صالح


((فلسفة الحبس التنفيذي)) قوة القانون أم قانون القوة؟

د. احمد جابر صالح | Dr. Ahmed Jaber Saleh


30/07/2021 القراءات: 744  


((فلسفة الحبس التنفيذي))
قوة القانون أم قانون القوة؟
هناك موقف المشرع من إشكالية حبس المدين أو ما يعرف بـ (الحبس التنفيذي) لم يكن موفقاً، ويتجلى ذلك من خلال التدخلات التشريعية التي أجراها المشرع والتي كان آخرها تعديل قانون التنفيذ رقم (45) لسنة 1980، وقد صاحب ذلك عدم انسجام في موقف القضاء الدستوري من هذه الإشكالية، وهو ما سنستعرضه تباعاً:
ان الموقف التشريعي بدأ بصدور قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم (120) لسنة 1994 والذي قضى في المادة (أولاً) منه: (لا يطلق سراح المحكوم عن جريمة اختلاس أو سرقة أموال الدولة أو عن أية جريمة عمدية أخرى تقع عليها بعد قضائه مدة الحكم ما لم تسترد منه هذه الأموال أو ما تحولت إليه أو أبدلت به أو قيمتها). وقد تم الطعن بعدم دستورية هذا القرار، وأصدرت المحكمة الإتحادية العليا عام 2017 قرارها بهذا الصدد جاء فيه: (... ومن الاطلاع على تطبيقات هذا القرار وبعد أن يمضي المحكوم عليه عن جريمة من الجرائم المذكورة فيه المدة المحكوم بها وجوب بقاءه في السجن مدة لها بداية ولا نهاية لها، والنهاية إذا حلت شرط قد لا يمكن تحققه مع الإعسار وهو تسديد مبلغ الضرر الذي أصاب الدولة في مالها العام ومن تحليل هذا الموقف فأن المركز القانوني للمحكوم عليه الذي أمضى مدة الحكم الجزائي الذي حكم به وبما يتناسب مع حجم الجريمة التي ارتكبها قد أصبح "مدنياً" للجهة المتضررة وهي أحدى مؤسسات الدولة)، وقد وجدت المحكمة الاتحادية العليا ان قانون التنفيذ رقم (45) لسنة 1980 المعدل قد كفل للدولة استحصال ديونها وفقاً للإجراءات المقررة فيه (وليس بالتنفيذ على بدن المدين)، وكذلك الأمر بالنسبة للأساليب التي تؤمن الحصول على حقوق الدولة والواردة في قانون تحصيل الديون الحكومية رقم (56) لسنة 1977. والقول بخلاف ذلك يؤدي إلى بقاء المدين المعسر في السجن مدة لا حدود لها، وهذا – حسب قرار المحكمة الاتحادية العليا – يتعارض مع المبادئ التي أوردها الدستور في الفصل الثاني من الباب الثاني المتعلق بالحريات، ومنها ما نصت عليه المادة (37/أولاً/أ): (حرية الأنسان وكرامته مصونة) وما نصت عليه الفقرة (ج) من المادة نفسها بتحريم جميع أنواع التعذيب النفسي والجسدي، وكذا ما حرمته المادة (46) منه بعدم جواز تقييد الحقوق والحريات إلا بناءً على قانون، وألا يكون هذا القانون "ماساً" و "مقيداً" لجوهر الحق أو الحرية. وبناءً على ذلك رأت المحكمة الاتحادية العليا أن سن مثل هذا القانون (القرار المطعون بعدم دستوريته) أو وجوده أصلاً يشكل خرقاً لأحكام الدستور ومن ثم قررت الحكم بعدم دستوريته وإلغاءه. (قرار المحكمة الاتحادية العليا المرقم (57/اتحادية/إعلام2017 والصادر في 3/8/2017).
إلا أن المشرع تدخل بالقانون رقم (13) لسنة 2019 وهو قانون التعديل السادس لقانون التنفيذ رقم (45) لسنة 1980، فأضاف في المادة (7) منه الفقرة (ثالثاً) لنص المادة (32) من قانون التنفيذ، والتي قرر بموجبها: (ثالثاً: إذا رفض المدين تقديم كفيل ضامن لتسديد الدين يفاتح قاضي البداءة لحبس المدين لحين تقديم كفيل ضامن). وعلى ما هو ظاهر من هذا النص المستحدث، فان حبس المدين في هذا الفرض ليس له مدة يُحدد بها، ولم يستثنِ المشرع من هذا الحكم حالة إبداء المدين تسوية لتسديد الدين الذي بذمته ولكنه رفض تقديم كفيل ضامن بالتسديد (كأن يتعذر عليه إحضار الكفيل الضامن بالتسديد)، الأمر الذي يمكن النعي على هذا التعديل الذي أدخله المشرع على المادة (32) من قانون التنفيذ بمثل ما نُعي به قرار مجلس قيادة الثورة المنحل سالف الذكر والمحكوم بعدم دستوريته.
إلا أن المحكمة الإتحادية العليا كان لها رأي آخر بهذا الخصوص، يتجلى منه عدم الوضوح في معالجة المسألة المتعلقة بمدى دستورية الأحكام القانونية الخاصة بحبس المدين بالشكل الذي يجعل من الصعب استجلاء فلسفة واضحة تحكم هذه المسألة وترسخ معالمها الدستورية بما يحقق الغاية التي يسعى قانون التنفيذ للوصول إليها والمتمثلة بتحقيق التوازن بين مصلحة الدائن في الحصول ‏على حقه المشروع، وبين مصلحة المدين في ألا يؤخذ من أمواله، أو يعتدى على حريته دون وجه حق، ‏ومراعاة الاعتبارات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية للمدين (م 2 من ق. التنفيذ).
فقد وجدت المحكمة الإتحادية العليا، عند نظرها للطعن بعد دستورية التعديل التشريعي للمادة (32) من قانون التنفيذ، (ان دوائر الدولة والقطاع العام وفي سبيل الحفاظ على المال العام ملزمة باتباع كافة السبل القانونية اللازمة لتحصيل ديون الدولة التي تترتب بذمة الأشخاص الطبيعية والمعنوية لأي سبب كان ومن تلك الأسباب ... رفض المدين تقديم كفيل ضامن قادر على تسديد الدين ... وبالتالي ... حبس المدين واستمرار حبسه لحين تقديم كفيل ضامن) ووجدت المحكمة أن ما جاء في الفقرة (ثالثاً) من المادة (32) من قانون التنفيذ (لا تتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام المنصوص عليها في المادة (2/أولاً/أ) من الدستور ... كما أنها لا تتعارض مع الحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور والمكفولة للجميع) بل أن المحكمة الاتحادية العليا ذهب إلى أبعد من ذلك عندما قررت وبصريح العبارة بأن: (ضمان الدستور تلك الحقوق والحريات لا يعني عدم جواز تقييدها أو الحد منها إذا كانت ممارستها غير صحيحة، لذا يسعى المشرع لسن القوانين التي تعالج ذلك سواء كانت تلك القوانين ذات طابع جزائي أو مدني شرط أن لا يمس ذلك التقييد جوهر الحق)، (قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم 41/اتحادية/2021 في 15/6/2021). والمحكمة الاتحادية العليا قررت ذلك دون أن تخوض في تحديد معنى "جوهر الحق أو الحرية" أو تضع معياراً يتحدد بموجبه هذا "الجوهر" الذي إذا ما مسه التقييد عُد ذلك خروج على نطاق المنع الدستوري الوارد في المادة (46) من الدستور، وإنما اكتفت بتقرير جواز تقييد الحقوق والحريات إذا كانت ممارستها غير صحيحة، وما هذا إلا ترديداً لفحوى النص الدستوري دون الولوج في تحديد ضوابط تطبيقه.
د. أحمد جابر صالح
30/07/2021


الحبس، المدين، الدستور، القضاء، التنفيذ، الحقوق والحريات


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع