مدونة د. نايف بن ناصر المنصور


مآل الأسرة المسلمة في الآخرة

الدكتور نايف بن ناصر المنصور | Naif naseer almansoor


18/08/2021 القراءات: 3084  


يُعتبر الزَّواج غريزة في الإنسان، ومن الفطرة التي خلقه الله عليها عندما ينشأ ويكبر؛ قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم منْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].
وعند التَّفكير في الزَّواج وتكوين أسرة، يبدأ بالبحث عن الزَّوجة المناسبة واختيارها، وكل إنسان له حاجة خاصَّة في نفسه في الزَّوجة التي سوف يتزوَّجها، ومواصفات يريدها: (لون البشرة، الطول، العمر، درجة الجمال ..... إلخ) ولكن عندما ينصبُّ تفكيره أن يكون اختياره على المدى البعيد، فهو يبحث عن ذات الدين والخلُق؛ عبادةً لله واقتِداء بالرَّسول - عليْه الصَّلاة والسَّلام - كما جاء في الحديث: ((تُنكح المرأة لأرْبع: لمالِها ولحسَبِها ولجمالِها ولدينها؛ فاظفر بذات الدِّين ترِبت يداك)).
لأنَّ صاحبة الدين والخلُق هي التي تُراعي أحْوال زوجِها، فلا تنفر منه أو تُعاديه في حالة غضبه عليها أو تقصيره في حقها؛ لأنَّها تحتسب الأجر في ذلك، وتعينه على الطَّاعة وتربية الأبناء تربية دينيَّة صالحة، قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((الدُّنيا متاع وخير متاعِها المرْأة الصَّالحة)).
وبعد الارتِباط والمعاشرة بالمعروف، ويحصل الإنجاب ويتعاونان على تربيتِهم وتنشئتهم تنشئة صالحة، فيعلمونَهم الأخلاق الحميدة والتَّوحيد الخالص والواجبات والمنهيَّات فإذا علَّماه القُرآن كان فضلهما كبيرًا وأجرهما عظيمًا.
جاء في مسند الإمام أحمد عن النبي- صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: ((تعلَّموا سورة البقرة؛ فإنَّ أخذها بركة وتركها حسْرة ولا تستطيعُها البطلة)).
قال: ثمَّ سكت ساعة ثمَّ قال: ((تعلَّموا سورة البقرة وآل عمران؛ فإنَّهما الزَّهراوان يظلاَّن صاحبَهما يوم القيامة كأنَّهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صوافّ، وإنَّ القرآن يلقى صاحبَه يوم القيامة حين ينشقُّ عنه قبره كالرَّجُل الشَّاحب، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرِفُك، فيقول: أنا صاحبُك القرآن الَّذي أظْمأتُك في الهواجر وأسْهرت ليلَك، وإنَّ كلَّ تاجر من وراء تجارته، وإنَّك اليوم من وراء كل تجارة، فيُعطى الملك بيمينه والخلد بشِماله، ويوضع على رأسِه تاج الوقار، ويُكسى والداه حلَّتين لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان: بمَ كُسينا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن)).
وعندما يُحسن الرَّجُل أو المرأة تربية البنات؛ جاء في صحيح مسلم عن عائشة - رضي الله عنْها - قالت: جاءتني امرأة ومعها ابنتان لها، فسألتْني، فلم تجد عندي غيرَ تمرة واحدة، فأعطيتُها إيَّاها، فأخذتها فقسَمتها بين ابنتيْها ولم تأكل منها شيئًا، ثمَّ قامت فخرجت وابنتاها، فدخل عليَّ النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فحدَّثتُه حديثَها، فقال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن ابتُلي من البنات بشيءٍ فأحسن إليْهنَّ، كنَّ له سترًا من النَّار))، وجاء أيضًا عن أنس بن مالك قالَ: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن عال جاريتَين حتَّى تبْلغا جاء يوم القيامة أنا وهو ..)) وضمَّ أصابعه، والأحاديث في هذا الباب كثيرة، ولكن ما عَن يوم القيامة والحساب فإمَّا إلى الجنَّة أو إلى النَّار!
عندما يعمل الزَّوجان - الرَّجل والمرأة - الصَّالحات وتربية الأبناء تربيةً صالحة تُرضي الله سبْحانه، فإنَّ الله يُجازيهما الجنَّة؛ قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُريَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُريَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ منْ عَمَلِهِم من شَيْءٍ كُلُّ امْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ * وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ ممَّا يَشْتَهُونَ * يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} [الطور: 21 - 28].
ذكر ابنُ كثير في تفسير هذه الآية فضْلَ الله وكرمَه وامتِنانه ولطفه بخلْقِه وإحسانه، أنَّ المؤْمنين إذا اتَّبعتْهم ذريَّاتهم في الإيمان يلحقهم بآبائِهم في المنزلة وإن لم يبلغوا عملهم؛ لتقرَّ أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بيْنهم على أحسن الوجوه بأن يرْفع ناقص العمل إلى كامل العمل، ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته للتَّساوي بينه وبين ذاك؛ ولهذا قال: {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ} [الطور: 21].
فإن عمل الإنسان له بركة على ذريَّته في الدنيا والآخرة، فلنتدبَّر هذه الآية ونعْمل؛ لأن نبلغ الوعد فيها، ونعمل جاهدين على إصلاح أنفُسنا وإصلاح أسرنا.

وفَّقنا الله إلى ما يحبُّ ويرضى.


الاسرة المسلمة


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع