مدونة أ.د/عصام محمد محفوظ


مفهوم الخلود فى الفن المصرى القديم ومدى ارتباطه بالتفكير الملحمى

أ.د/عصام محمد محفوظ | Prof.Dr.Essam Mohamed Mahfouz


28/11/2021 القراءات: 19612   الملف المرفق



هيأ جو مصر وطبيعتها فى نفس المصرى شعوراً بالخلود، وولد فى وجدانه روحانية، وعقيدة عن الحياة الآخرة، وعن دوام الحياة بعد الموت.
ولذلك نجد أن الفن المصرى القديم هو صورة معبرة عن شعب قام حياته على مبادئ الخلود واللانهائية، ومن ثم فإن جميع أعماله تتميز بالاستمرارية.
فالفنان المصرى القديم تأثر بعقيدة البعث، وبالعقائد الدينية العديدة التى هيمنت على مجتمعه، ولذلك ظل يفترض أن "الصورة التى ينقشها على جدران المعبد أو المقبرة ليست مجرد خطوط ينبغى أن يتوفر فيها الإنسجام الفنى وحده بل أنها يمكن أن تتحول إلى حقيقة واقعية "
حيث اعتقوا أن الروح ستعود مرة أخرى، وأنه سيحيا حياة أخرى فى القبر مماثلة لحياته الدنيوية لذلك صورت على جدران المقابر لوحات تصف ما كان يمارسه الشخص من أنشطة فى الحياة الدنيا، فنجد فى مقبره "خمنحوتى" ببنى حسن يمثل قنص حيوانات الصحارى، ويظهر "خمنحوتى" يحمل تقوس والسهام، ويصطحب أولاده وخدمه، وتعاونه كلاب الصيد فى القنص.
وقسمت اللوحة إلى ثلاث مستويات أفقية وزعت عليها مناظر متعددة لقنص الحيوانات فى الصحارى. والثقافة السائدة فى مجتمع ما تتأثر بالمؤثرات الدينية والأدبية والفكرية، "فارتباط المجتمع المصرى بالدين ارتباطا قويا ومباشرا قد أثر بشكل عام على فنونه فالأسطورة والقصة الدينية المتعلقة بالألهة، والبشر، كانت بمثابة المادة المفضلة لدى الفنان، وأيضاً حياة المتوفى بما فيها من متاع وعمل وترف، كانت مادة لدى الفنان .
وقد نجح الفنان المصرى القديم فى إيجاد توافق بين الشكل والمضمون الذى يتكون منه العمل الفنى، فقد أحسن استخدام التكوين المناسب والخامة المناسبة، ليؤدى الغرض الدينى الذى صنع من أجله العمل الفنى. والحقيقة أنه استناداً إلى العقيدة المصرية القديمة، يمكن تفسير معنى المنظر الواحد على عدة مستويات
"فيمكن اعتبار المناظر المرسومة على الجدران فى المعبد بمثابة التعبير عن الرغبة فى التوصل مع الكون المحيط، و استطاع الفنان أن يعبر عن كل مظاهر النشاط الإنسانى فى تسلسل واحد يربطها، ابتداء من مناظر المرح والألعاب وانتهاء بالمناظر الخاصة بتأدية الطقوس الدينية .
فأعمال الفن المصرى القديم قد أنتجت من أجل أن تخدم العقيدة، وكان غرضها توضيح الاعتقاد فى بعث الإنسان بعد الموت ولهذا صور المصرى القديم فى المقابر التى ينشد فيها الخلود "مناظر الدورة الزراعية السنوية بصورة رمزية نمطية لأن ملاحظة الدورة السنوية المنظمة تفقد الميت الاهتمام بالزمن،
ولهذا فقد ركز الفنان مهارته فى تخليد هذه الأحداث لإعطاء الموتى فرصة التأمل الذى لا يخضع لقيود الزمن" .


الخلود فى الفن المصرى القديم ومدى ارتباطه بالتفكير الملحمى


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع


الحقيقة أنه استناداً إلى العقيدة المصرية القديمة، يمكن تفسير معنى المنظر الواحد على عدة مستويات "فيمكن اعتبار المناظر المرسومة على الجدران فى المعبد بمثابة التعبير عن الرغبة فى التوصل مع الكون المحيط، و استطاع الفنان أن يعبر عن كل مظاهر النشاط الإنسانى فى تسلسل واحد يربطها، ابتداء من مناظر المرح والألعاب وانتهاء بالمناظر الخاصة بتأدية الطقوس الدينية


اهتم المصريون القدماء بالموت منذ فجر التاريخ، وتصوروه مرحلة من مراحل الحياة، وكان كل شيء وغاية كل فكر هو بلوغ المتوفى حياة جديدة تضمن له الخلود بسلام، بدءا من بناء مقبرته أو بيت الأبدية ونقوش جدرانها، وتحنيطه لضمان حفظ جسده وملامحه، وإقامة شعائر جنائزية خاصة وقراءة نصوص وصلوات، وصولا إلى البعث والخلود.


كان سبب الموت في رأي المصري القديم، هو أن هناك قوة خاصة — كانت تُلازم الإنسان في حياته — قد فارقَتْه، وكانت هي سِرَّ الحياة، وهي قوة يَمنحها له رع عند ميلاده،٢٠ سماها اﻟ «كا KA»، وهي صورة أو نسخة طبق الأصل من صاحبها، إلا أن الأثريين يؤكدون على أنه «ليس من الواضح لنا، وربما لم يكن واضحًا بالنسبة للمِصريين القدماء أنفُسِهم، كيف كانت حالة الكا أثناء الحياة، ولا الدور الذي كانت تلعبه …»٢١ وهنا يَكمُن السر في مسألة تقديم الطعام والقرابين إلى الموتى في القبور؛ فهذه اﻟ «كا» كان يجب أن تظلَّ حية في نظر المصري القديمِ بعد موت صاحبها؛ لذلك اتخَذ المصريون وسائلَ عدةً لتسهيل هذه المهمة، فقاموا بتحنيط الأجساد، حتى تَحُل الكا في الجسد عندما تريد، مع تمثالٍ للميت يُشبهِه تمامَ الشبه، يُوضَع في مكان أمين؛ حتى يُمكِن للكا أن تجد فيه القسماتِ الشخصيةَ، التي قد تَفقدها الجثةُ بمرور الزمان، بل وبدءوا بوضع الأثاث المنزلي مع جثمان الميت في القبر، حيث سيَعيش عالَمه الآخر، ثم استمروا في إمداد القبر بشكل دوري بالطعام؛ لأجل المحافظة على حياة «كا» الميت.