مدونة سيف بن سعيد العزري


التصرف في الملك مشروط بعدم الإضرار بالغير، وسلطة المحكمة في تقدير تقرير الخبير.

سيف بن سعيد العزري | SAIF BIN SAID ALAZRI


12/03/2023 القراءات: 119   الملف المرفق


عُرضت عليّ دعوى عندما كنت قاضياً في المحكمة الابتدائية بنزوى بسلطنة عمان، طالب فيها المدعي بعدم ممانعةِ المدعى عليه منْ قيامِ المدعي بحفرِ التربة الموجودة في أرضه بغية إقامة منزل في الموقع، وذلك بسبب وجود بئر أحدُ ملاكها المدعى عليه مجاورة لأرض المدعي، ويُخشَى في حال الحفرِ أن تنهار البئر، وبعد نظرِ الدعوى صدر الحكم بفضل الله تعالى، وكانَ في خلاصته أنّه "من المقرّر شرعاً أنّ الإنسان له أن يتصرف في ملكه بما يشاء بشرط أن يكون التصرف جائزاً شرعاً وأن لا يلحق الضرر بغيره، إعمالاً للقاعدة الشرعية فيما يتعلق بالشرط الثاني "لا ضرر ولا ضرار"، و"الضرر يزال"، وعلى نحو هذا جرى قانون المعاملات المدنية، فقد نصّت المادة (798) على أنّ "حق الملكية هو سلطة المالك في أن يستعمل الشيء المملوك له وأن يستغله وأن يتصرف فيه بجميع التصرفات الجائزة شرعاً"، وجاءت المادة (803/1) مقيّدة تلك السلطة بعدم إلحاق الضرر بالغير فنصّت على أنّه "إذا أحدث المالك في استعماله لملكه ضرراً لغيره كان للمضرور أن يطلب إزالة الضرر مع حقه في التعويض إن كان له مقتضى"، ومؤدّى ذلك كلّه مراعاة مدى توافر الضرر بالغير في هذا المحدَث إذا كان الحدث في ملك المحدِث، ومن المقرّر قضاءً أنّ الأصل عدم الضرر، ومن ادّعى خلاف ذلك فهو المدعي، فعليه يقع عبء الإثبات؛ إذ هو مدعي خلاف الأصل، عملاً بالقاعدة الشرعية المستقاة من الحديث الشريف التي تقضي بأن "البيّنة على المدعي، واليمين على من أنكر"، ومن المقرّر قانوناً طبقاً للمادة (80) من قانون الإثبات في المعاملات المدنية والتجارية أنّ "للمحكمة من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد الخصوم أن تقرر الانتقال لمعاينة المتنازع فيه"، كما أنّه من المقرّر قانوناً طبقاً للمادة (82) من قانون الإثبات أنّ "للمحكمة من تلقاء نفسها أو بناء على طلب الخصوم أن تستعين بأهل الخبرة لتحقيق واقعة معينة في الدعوى أو إبداء رأيهم فيما يطرح فيها من مسائل فنية أو متخصّصة دون المسائل القانونية"، كما أنّ لها طبقاً للمادة (104) من القانون ذاته أن تأخذ برأي أهل الخبرة الذي تطمئنّ إليه، مع كونه لا يقيّد المحكمة طبقاً للمحادة (103)، ومن المقرّر قضاءً أن لمحكمة الموضوع إذا اقتنعت بما جاء في تقرير الخبير ورأت أنه يتضمن الرد على مزاعم الخصوم وأخذت به أن تكتفي بمجرد الإحالة إليه في أسباب حكمها ويصبح هذا التقرير جزءاً متمّما للحكم ويعتبر الحكم معه مسبباً تسبيباً كافياً، وليس على المحكمة أن ترد بأسباب خاصة على الطعون الموجهة إلى ذلك التقرير؛ لأنّ في أخذها به محمولاً على أسبابه ما يفيد أنّها لم تجد في تلك الطعون ما يستحق الرد عليها بأكثر مما تضمنه التقرير"، فلمّـا كان ذلك وكان الثابت بالأوراق من خلال المعاينة وتقرير الخبير أنّ البئر موضع النزاع محصورة برقم (...) باسم ورثة ...، والمدعى عليه أحدهم بعد تسلسل الوفيّات، وكانت البئر واقعة في الزاوية الشرقية الشمالية لقطعة أرض المدعي السكنية ذات الرقم (...) بمربع ... بولاية نزوى، وهي مصرّجة بحصى من جوانبها الظاهرة لمن يعاينها وفي جزء من الأسفل غير مصرّجة، وجدار منزل المدعي يقع على حافة فتحة البئر من الجهة الغربية، أما من الجهة الجنوبية فيقع على حافتها جدار من حصى وجص، ثم بعد هذا الجدار جدار منزل المدعي، وكان الثابت كذلك أنّ مستوى أرضية قطعة أرض المدعي مساوية للطريق القائمة في الجهة الشمالية منها، ومستواها يعلو مستوى الضاحية القائمة في الجهة الجنوبية منها بما يقارب ثلاثة أمتار تقريباً، وكان مراد المدعي أن يزيل التراب الموجود على قطعة أرضه ويحفر حتى تساوي مستوى الضاحية المذكورة، مع أنّ جدار منزله قائم على حافة البئر الغربية، ما يعني عدم وجود أي فاصل بين أرضه وبين البئر، وقد ورد في تقرير الخبير أنّ قيام المدعي بالحفر في الموقع ممكن دون أن تنهار البئر بأخذ الاحتياطات الآتية: 1-أن يجعل المدعي فاصلاً بين الحفر وبين حافة البئر بمسافة ثلاثة أمتار (3م) أو ثلاثة أمتار ونصف (3.5م)، 2-عدم استعمال المعدات في الحفر بل يكون الحفر يدوياً، وبعرض نتيجة التقرير على المدعي أفاد بعدم استعداده للإحرام عن البئر بثلاثة أمتار، وعليه فإن لم يأخذ بهذا الاحتياط سينهار البئر بسبب أنّ الحصى والاسمنت المبطن لجدار البئر غير قائم على أساس على ما ورد في تقرير الخبير، وعليه فقيام المدعي بالحفر مع رفضه الإحرام عن البئر سيؤدي -بلا شك -إلى إضرار بالبئر، فلئن مانع من ذلك المدعى عليه إذا كان الحفر يؤثر على البئر فله الحق في ذلك، إضافة إلى هذا فإنّ الظاهر أنّ مستوى أرضيّة المنزل الذي كان قائماً على قطعة أرض المدعي هو في مستوى فتحة البئر تقريباً وفي مستوى الطريق القائمة في الجهة الشمالية للمنزل، وفي مستوى المنزل القائم في الجهة الغربية للمنزل، فما يريد المدعي فعله من إزالة التراب والحفر هو حدث يغيّر ذلك الوضع القائم بما يلحق الضرر بالغير، وهو ممنوع شرعاً وقانوناً، وعليه تقضي المحكمة برفض الدعوى.
وتجد أخي القارئ تفاصيل الحكم في الملف المرفق أعلاه.


حكم قضائي، تصرف في الملك، الضرر، بئر، خبير


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع