مدونة د.حذيفة عبود مهدي السامرائي


الرحمة المهداة سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم‏- نبي الرحمة .

أ.د.حذيفة عبود مهدي السامرائي | huthaifa al-samarrai


08/03/2020 القراءات: 1980  


رحمة النبي صلى الله عليه وسلم

1. رحمةٌ عامةٌ :
إن رحمة النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- كانت رحمةً عامةً شاملةً لجميع النّاس، صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم، غنيهم وفقيرهم، قويّهم وضعيفهم، وحرهم وعبدهم، مؤمنهم وكافرهم. نعم مؤمنهم وكافرهم، أما جاء الطّفيل بن عمرو الدّوسي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «يا رسول الله! إن دوسا قد عصت وأبت، فادع الله عليها» ، ومعلوم أن الرّجل خبيرٌ بقومه، وقد يأس من إيمانهم وأخبر أنهم مصرون على الكفر والعناد، ولذلك طلب من النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- أن يدعو عليهم؛ ليستأصلهم الله تعالى بالعذاب. استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلة ورفع يديه فقال النّاس هلكت دوس.. هلكت دوس.. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم! اهد دوسًا وائت بهم» [متفق عليه].
فدعا لهم -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه نبي الرّحمة، ولأنه -صلى الله عليه وسلم- يريد للنّاس الهداية والرّشاد، ويريد لهم الفوز بالجنّة والنّجاة من النّار.
وهذه السيدة عائشة -رضي الله عنها- تقول لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: رسول الله! هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: «لقد لقيت من قومك. وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة. إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال. فلم يجبني إلى ما أردت. فانطلقت وأنا مهموم على وجهي. فلم أستفق إلا بقرن الثّعالب. فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني. فنظرت فإذا فيها جبريل. فناداني فقال: إن الله -عز وجل- قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك. وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. قال: فناداني ملك الجبال وسلم علي. ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك لك. وأنا ملك الجبال. وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك. فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا» [رواه البخاري مسلم].

2.غلامٌ يهوديٌّ :
ومن رحمته -صلى الله عليه وسلم- بأهل الكتاب ما رواه أنس -رضي الله عنه- قال: «كان غلامٌ يهوديٌّ يخدم النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- فمرض، فأتاه النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أسلم. فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم -صلى الله عليه وسلم-، فأسلم، فخرج النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار». لم يقل النّبيّ -صلى الله عليه وسلم-: إن هذا الغلام كان يخدمني وقد رأى من أحوالي وأخلاقي الشّيء الكثير، ومع ذلك لم يسلم، فلماذا أذهب إليه الآن! ولكنّه -صلى الله عليه وسلم- أبت عليه رحمته وشفقته إلا أن يتمسك بآخر خيط وإن كان رفيعًا، فذهب إلى الغلام اليهوديّ يعوده، وعرض عليه الإسلام. فنظر الغلام إلى أبيه وكأنه يطلب موافقته وهنا تحركت مشاعر الأبوة لدى الوالد، فهو يعلم أن النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- ما عرض على ابنه إلا الخير والرّحمة والهداية، فقال له: أطع أبا القاسم فأسلم الغلام، فخرج النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- مسرورًا وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار» [أخرجه البخاري]، إنه مشهدٌ عظيمٌ من مشاهد الرّحمة يتجلى فيه حرص النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- على هداية البشر وإنقاذهم من النّار، حتى ولو لم ينتفع من ورائهم بشيء لا في جهادٍ، ولا دعوةٍ، ولا بذلٍ للإسلام، فالهدف هو رحمة النّاس وهدايتهم، كما قال -صلى الله عليه وسلم- لعلي: «لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا، خيرٌ لك من حمر النّعم» [متفق عليه].
3. حتى الحيوان :
ورحمة النبي عليه الصلاة والسلام لم تشمل البشر فقط ، إنما شملت الحيوان أيضاً، فإن له عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حقوقًا، فهو -صلى الله عليه وسلم- أول من قرر حقوق الحيوان وحذر من انتهاكها.
فعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النّار، لا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» رواه البخاري ومسلم
خبروني أيها النّاس! هل هناك قانون في الأرض، يجعل امرأةً تدخل النّار في هرة؟ وقد ذكر الإمام النّووي: أن الحديث يدل على أن هذه المرأة مسلمة، وأنها عُذبت في النّار بسبب تعذيب هذه الهرة وحبسها حتى الموت..
4.جملٌ يبكي:
وهذه لوحةٌ أخرى رائعةٌ من لوحات الرّحمة المحمدية، فقد دخل النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- بستانًا لرجلٍ من الأنصار، وإذا في البستان جمل، فلمّا رأى النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- حن، وذرفت عيناه، فأتى إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلم أنه يشكو إليه ظلم أصحابه، فمسح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأسه فسكن، ثم قال: «من ربّ هذا الجمل؟ فجاء شابٌ من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله! فقال -الرّحمة المهداة يعلم البشرية ويؤدب الإنسانية-: ألا تتقي الله في هذه البهيمة الّتي ملكك الله إياها؟ فإنه شكى إلي أنك تجيعه وتدئبه». [رواه أحمد وأبو داود] .

5. من فجع هذه بولدها: إنها ليست بشًرا بل هي طائرةٌ صغيرةٌ فجعت بولدها، فلم تجده، ولم تجد من تلجأ إليه من البشر سوى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهذا ما يحدثنا عنه ابن مسعود رضي الله عنه إذ يقول: «كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سفر فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت تفرش فجاء النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: من فجع هذه بولدها ردوا ولدها إليها، ورأى قرية نمل قد حرقناها فقال: من حرق هذه؟ قلنا: نحن، قال: إنه لا ينبغي أن يعذب بالنّار إلا رب النّار». رواه أبو داود
جاءت إليك حمامةٌ مشتاقةٌ***تشكو إليك بقلبٍ صبٍّ واجفٍ
من علم الورقاء أن مقامكم***حرم وأنك ملجأ للخائف


الرحمة


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع