مدونة د. غازي الحيدري


هل أنت مُعلّمٌ مُلهِمٌ ومؤثر؟ د. غازي الحيدري

د.غازي الحيدري | Dr.Ghazi haidri


06/10/2022 القراءات: 437  


تساؤل مهم للغاية يحضرني بهذه المناسبة مناسبة ( اليوم العالمي للمعلم) وقد يكون لافتاً لكل من رشح نفسهُ لهذه المهمة النبيلة والمهنة الرفيعة، كون الإلهام أمرٌ مطلوب لتحقيق هدف التعليم بشكل عام والذي يتمثل بصناعة جيلٍ إيجابيّ مبدعٍ ومؤثر .
خاصة وأننا نلمس غياباً أو أوضعفاً في مستوى التأثر الإيجابي من قبل تلاميذنا بمعلميهم لسبب أو لآخر، بعكس ماكانت عليه الأجيال السابقة في العقود الماضية، التي كان فيها أثر المعلم واضحاً في سلوك تلاميذه بل على المجتمع ككل كما هو معلوم.

وحتى لا أكون مبالغاً فيما اقول: دعني عزيزي القارئ لأسرد لك بعضاً من المواقف الشخصية التي تحكي ذلك الواقع، ومدى التأثير الحاصل والإلهام الذي حدث فأحسّ به كاتبُ هذه السطور خلال مسيرة دراسته، سواء في المرحلة الأساسية أو في دراسته الجامعية والعليا.

إذ أنني مازلت أتذكر وبكل وضوح ذلك المعلم في الصف الاول الأساسي الذي رفعني بكلتا يديه حين جاءت والدتي لتشكو إليه أذيةً من أحد الزملاء المشاغبين، فأجابها قائلاً: هذا الطالب مؤدبٌ وابتسم لي ورفعني كما أسلفت بكلتا يديه للأعلى، ويمكنني هنا تسمية تلك الحركة بـ *لمسة معلم.*

أما عند دراستي في حلقة تحفيظ القرآن الكريم فإن بصمات معلمي مازالت تتحدث عن إلهامه، حين كان يميّزني عن زملائي كوني يتيماً ربما؛ إذ كان يوقفني بجواره في المحراب حينما يُصلي بنا صلاة العصر، فكنت أُحِسُّ بنوع من التمييز والاعتزاز، ولعل ذلك مايريده معلمي بالطبع مراعاة لمشاعر اليُتم، وعليه فإن ذلك التصرف يمكنني تسميته بـ *بصمة معلم*.

وقد تستغرب عزيزي القارئ إذا اخبرتك بأني تأثرت كثيراً في إحدى جلسات نقاش مع معلمنا في الثانوية العامة حين همس في أذني قائلاً: أنت أذكاهم وأتوقع أن تحصل على المركز الأول، ففعلت تلك الكلمة بداخلي فعلها، وأستطيع تسمية تلك الجملة المُلهِمة بـ *همسة معلم.*

أما عند دراستي في قسم الصحافة والإعلام، فمازلت أتذكر تماماً أول تكليف لنا من قبل الدكتور الذي طلب منا حينها صياغة خبر صحفي وتسليمه، وعند إعادة التكاليف بعد الاطلاع عليها وجدت في ورقتي كلمة (رائع) مشفوعة بتوقيع المعلم، فكان لها وقعها بالطبع رغم كبر سِني، علماً بأني لم أكن أتوقع إشادة لأول تجربة لي في صياغة خبر ، ولعله الدعم النفسي الذي ينفقه المعلم لتلاميذه الكبار، ففسرت تلك الإشارة البسيطة بأنها *دَفعة معلم* .

لن تنتهي المواقف المؤثرة بطبيعة الحال ولا الدروس الملهِمة التي كانت بمثابة وقود أوصلني إلى ما أنا عليه الأن، رغم بساطته بالطبع، ولعلي قد أثرتُ لديك ـ عزيزي القارئ ـ الكثير مما تخبئه في قاع ذاكرتك من مواقف مشابهة، صنعت منك أنت أيضاً هذا الشخص المرموق ربما، فسأترك لك المجال لتذكرها.

كم هي كثيرة تلك المواقف التي صنعت كباراً بفضل أولئك الكبار، ولولاهم بعد الله لما تحقق إنجاز ولما تألق نجم في فضاء الإبداع.

*والسؤال الذي ينبغي أن يطرح هنا : هو نفسه ذلك السؤال الذي اتخذناه عنواناً لهذا المقال.*

نعم ــ كيف تصبح عزيزي المعلم مُلهِماً ؟!
والجواب بكل بساطة أن تكون إنساناً أولاً، لا فظاً ولا غليظاً فـ (الرحمنُ.. علم القرآن) وليس العليم، فالتدريس والتعليم يحتاج إلى لطف وعطف وإلى رحمة ولين ( ولوكنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك)
فبذلك اللطف وذلك اللين تستطيع أن تصنع أثراً، وبحجم عطائك وطريقة أدائك، وبراعةأسلوبك تصبح ملهماً بلاشك.

ولكي تصبح ملهماً ـ عزيزي المعلم ـ كذلك؛ لابد لك من إدراك عظمة ما تنفقه من علوم، واستشحضار أهمية ما تجود به من مهارات وقيم، فصناعة العقول وصقل المهارات وبناء القيم، إنما هي أشرف المهام وأنبل الأعمال على الدوام .

ولابد لك أن تدرك تمام الإدراك بأنك بفعلك هذا إنما أنت بانٍ لهذا الإنسان، وبناء الإنسان هو البناء الحقيقي للأوطان.
*يبني الرجال وغيره يبني القرى*
*شتّانَ بين قرى وبين رجالِ*.

فالإلهام ـ عزيزي المعلم ـ يأتي من ذلك الإدراك ويتولد من الإخلاص والإتقان لما تقوم به من مهام، تهتم فيه بمختلف الجوانب لهذا التلميذ أو ذلك الطالب، مراعياً الفروق في الأفهام والأجسام، ومايتمتع به طلابك من صفات وقدرات، فهناك فقط تستطيع أن تضع بصمتك ويبقى أثرك، فكن لها أيها المعلم الهُمَام ليستمتع أبناؤك بحلاوة الإلهام .

مع ألف سلام


✍🏼د. غازي الحيدري


#اليوم_العالمي_للمعلم


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع