مدونة عبدالحكيم الأنيس


أسئلة وأجوبة في المحكم والمتشابه

د. عبدالحكيم الأنيس | Dr. Abdul Hakeem Alanees


22/08/2022 القراءات: 342  


هذه أجوبةٌ على ثلاثة أسئلة في موضوع المحكم والمتشابه كانتْ قد سألتنيها إحدى إذاعات القرآن الكريم، عسى أن يكون في نشرها فائدةٌ ما.
***
س: هل ذكرَ العلماءُ عدد أنواع المتشابه في القرآن؟
ج: نعم ذكرَ العلماءُ عددَ أنواع المتشابه.
وقد تنوعتْ أنظارُهم فيما يدخلُ في المتشابه، وما لا يدخلُ.
وأضربُ على ذلك مثالًا بابن حزم إذ يقول في كتابه "الإحكام" (48/1): "والمتشابهُ لا يوجد في شيء من الشرائع إلا بالإضافة إلى مَنْ جهل دون مَنْ علم، وهو في القرآن، وهو الذي نُهينا عن اتباع تأويله وعن طلبه، وأُمرنا بالإيمان به جملةً، وليس هو في القرآن إلا:
للأقسام التي في السُّور، كقوله تعالى: (والضحى والليل إذا سجى)، وقوله: (والفجر وليال عشر).
والحروف المقطعة في أوائل السور.
وكل ما عدا هذا من القرآن فهو محكم".
والمتشابهاتُ عند ابن عباس: منسوخ القرآن، ومقدمه ومؤخره، وأمثاله، وأقسامه، وما يؤمن به ولا يعمل به…وحروف التهجي في أوائل السور.
والمتشابهُ عند أبي إسحاق الشاطبي قسمان: حقيقي، وإضافي. والتشابه بالمعنى الحقيقي قليل جدًا، وبالمعنى الإضافي كثير.
وفي الوقتِ الذي نقرأ فيه قولَ الإمام ابن عبدالبر في آية النجوى: "علماء الصحابة والتابعين الذين حُمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله تعالى: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم) [المجادلة: 7]: هو على العرش، وعلمُه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحدٌ يُحتج بقوله". التمهيد (5/149-150).
نقرأ قولَ الشيخ محمد الخضر حسين: "والمعروفُ بين أهل العلم، أنَّ السلف يعدون في المتشابه ألفاظًا واردة في الآيات والأحاديث تدلُّ بمقتضاها العربي على صفاتٍ أو أفعالٍ يستحيل إضافتُها إليه تعالى، نحو قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى)". الموسوعة (2/1/51).
وخالف في هذا آخرون.
والمتشابه بعضُه يعود إلى ذاته هو، وبعضُه يعود إلى المُتلقي.
***
س: هل من المحكم الآيةُ التي أجمعوا على تفسيرٍ واحدٍ لها، وهل هناك عددٌ من الآيات من هذا الضرب؟
ج: "المحكم ما ليس فيه احتمال التأويل، ولا احتمالُ النسخ والتبديل"، كما جاء في "كشف الأسرار".
أما عدم قبوله للتأويل فلأنَّ عبارته في غاية الوضوح في إفادة معناه.
وعدم قبوله للنسخ بوصف دلالتهِ على حُكمٍ لا يقبلُ بطبيعته التبديلَ والتغييرَ، أو يقبلُه واتصل به ما ينفي احتمالَ نسخه؛ كأن يكون الحكمُ الذي يشتمل عليه لفظُه يمثِّل قاعدةً من قواعد الدين كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر.
أو يمثِّل قاعدةً أخلاقيةً مِنْ أمهات الفضائل كالعدل، والإحسان، وبرِّ الوالدين، والوفاء بالعهد، وتحريم الظلم، إلى غيرها من المبادئ الإسلامية.
فهذا كلُّه من المحكم، وهو متفقٌ على تفسيره، ومعناه واضح.
ومِنْ أمثلة هذا النوع قول الله عزوجل: (والله بكل شيء عليم) فهذا متفقٌ على معناه ودلالته.
وهكذا أشباهُه.
***
س: هل هناك مؤلفاتٌ تخصصتْ في موضوع (المحكم والمتشابه) في القرآن؟
ج: المكتبة القرآنية تزخرُ بالمؤلفات في أنواع علوم القرآن، وشاركَ في ذلك المتقدَّمون والمتأخرون، ومِنْ ذلك جهودهم في المحكم والمتشابه، والمؤلفاتُ في المتشابه اللفظي أكثر من المتشابه المعنوي، ولكن يُلحظ أنّ المؤلفاتِ في التنظير، والدراسات التطبيقية قليلة أو غائبة.
وهناك ملفاتٌ علميةٌ كثيرةٌ ما زالتْ مفتوحة، وهي تنتظرُ توجُّه الباحثين إليها ليغلقوها بدراساتٍ تطبيقيةٍ تبيّنُ لنا نسبةَ المحكم، ونسبةَ المتشابه في القرآن، وَفْق أنظار العلماء في تحديد كلٍّ منهما.
ولا يخلو كتابٌ في علوم القرآن مِنْ بحث المحكم والمتشابه.
ومن الكتب المفردة في ذلك:
"معاني المحكم والمتشابه في القرآن الكريم" للأستاذ الدكتور أحمد حسن فرحات.
و"المحكمات في الشريعة الإسلامية وأثرها في حفظ وحدة الأمة وحفظ المجتمع" للدكتور عابد السفياني.
وبعضُ حذاق العلماء كالراغب الأصفهاني عدَّ الكلام في أحوال المحكم والمتشابه مشكلًا. انظر "تفسيره" (1/414).
وقال الآمدي في "الإحكام" (٢٢٤/١) عن بعض المرويات في المحكم والمتشابه: "وهو بعيدُ عما يعرفُه أهل اللغة، وعن مناسبة اللفظ له لغة".
وكان أحد علماء السلف وهو أيوب السختياني يقول: "لا أعلمُ أحدًا من أهل الأهواء يجادلُ إلا بالمتشابه" .
وأقولُ باقتناع: إنَّ المتشابهَ حصل فيه توسعٌ كبيرٌ لا داعي له.
***
ومن المفيد مراجعة هذا الموضوع في: "علوم القرآن عند الصحابة والتابعين" للشيخ الدكتور بريك بن سعيد القرني.
***


المحكم والمتشابه


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع