مدونة ياسر جابر الجمال


الموجات الفكرية والحضارية في مسيرة الإسكندرية الثقافية ( الحضور الحضاري والفعل المكاني).

ياسر جابر الجمال | Yasser gaber elgammal


05/01/2024 القراءات: 144  


إنه من الضروري لفهم أدب الإسكندرية المعاصر وبخاصة في النصف الثاني من القرن العشرين أن يلم تاريخيًا بحركة الشعر على مر العصور منطلقًا من الخصائص الذاتية لهذه المدينة وسماتها المميزة، "لقد شارك في إبداع هذا التراث الباذخ الذي ندعوه شعر الإسكندرية شعراء من جميع البلاد واللغات والعصور‏,‏ كاليماخوس‏، ‏وثيوكريتس‏، وأبوللونيوس وليكوفرون من العصور القديمة الهللينستية‏، وابن قلاقس‏، والبوصيري‏، ‏وظافر حداد‏، وتقية الصورية من العصور الوسطي الإسلامية‏، ‏وكفافيس‏، وأونجاريتي‏، ‏ومارينيتي‏، وراؤول ولكنسون‏، ‏وهنري تويل‏، وميشيل زغيب‏، وشارل ثابت‏، ولويس فلوري‏، وألك سكوفي‏، ورنيه تاسو‏، وبيرم التونسي‏، وإيليا أبو ماضي‏، وخليل شيبوب‏، ‏ويوسف فهمي الجزايرلي‏، ونقولا فياض‏، فضلاً عن عبدالرحمن شكري‏، ‏وحسن فهمي‏، وعثمان حلمي‏، ‏وعبدالعليم القباني‏، ومحمود العتريس‏، ‏وكمال نشأت‏، ‏وأحمد مرسي‏، وعبدالمنعم الأنصاري‏، وفؤاد طمان‏، ‏وعزيرة كاتو‏، ‏وسواهم من اليونانيين‏، والإيطاليين‏، ‏والفرنسيين‏، ‏والمصريين‏، والشوام‏، والمغاربة الذين ولدوا في الإسكندرية ونشأوا فيها‏، ‏أو هاجروا إليها‏، ‏أو مروا بها مرور الكرام‏.‏ فإبراهيم عبدالقادر المازني لم يكن في الإسكندرية إلا زائرا أو سائحا‏، ‏لكنه شارك في بناء تراثها الشعري‏، ‏ومثله أحمد زكي أبو شادي‏، وأمل دنقل‏، ‏ومحمد إبراهيم أبو سنة‏، وكثيرون آخرون.
فالإسكندرية لم تكن لكل شعرائها وطنًا أو مسقط رأس ‏فقط، بل كانت بالنسبة لهم حلما أو فكرة‏"( ).
( أ ) شعراء الإسكندرية في العصر القديم:
يتوقف فهم الطبائع النفسية والموقف من الوجود بقضاياه المختلفة كالحب والحياة والموت في أي من عصور الثقافة المختلفة في الإسكندرية على فهم النشأة والمكونات الأولى، ويعد المكون اليوناني أصلاً من أصول هذه الثقافة، فلقد تتابع على الإسكندرية عدد من الفلاسفة والشعراء، لابد من الوقوف عند تأثيرهم الذي امتد عبر العصور" يمثل كاليماخوس مدرسة الإسكندرية الشعرية، وهو المؤسس الحقيقي لها، ولد في برقة (بليبيا) ووفد إلى الإسكندرية في عهد بطليموس الثاني فيلادلف فاشتهر بها، وكان كاليماخوس باحثاً فقد وضع فهارس لمكتبة الإسكندرية - مع بعض تلاميذه - تقع في (120) مجلدًا، وذكر أن لفائف البردي التي تشتمل الواحدة منها على كتاب واحد بلغ عددها 400 ألف لفافة، وأخرى تشتمل على (90) ألفًا، وتوجد في مكتبة الإسكندرية - الحالية - شرفة سميت (شرفة كاليماخوس) تقديرًا لدوره. كون كاليماخوس جماعة شعرية أسماها بلياد أو الحمام، وانطلق من رؤية جديدة للشعر، فقد رفض أن يكون الشعر في عصره ملتزمًا بشكل الملحمة وحجمها، ودعا إلى القصيدة القصيرة جدًّا، على أن تكون موجزة ومبتكرة ومركزة مع الاهتمام بأناقة العبارة وجمال الموسيقى والاهتمام بالتجربة الذاتية. وقد عاش كاليماخوس سبعين عاما من 310 -240 ق.م"( ).
تميزت الإسكندرية بنوعٍ من الكتابة يختلف شكلاً ورؤيا عن الكتابات التي سادت في اليونان، ولم تتوقف هذه الموجات الجدلية عند كليماخوس ورفاقه وتلاميذه، وإنما جاء بعده ثيوكريتوس، فأضاف مناخًا جديًا وروحًا أبعد عمقًا، فقد" استقطبت الإسكندرية عددًا كبيرًا من الشعراء، يأتي في مقدمتهم ثيوكريتوس، وهو أول من كتب القصائد الرعوية، وصور حياة المزارعين واحتفي بالطبيعة، وكذلك أراتوس الذي نظم القصائد العلمية في الفلك، وهيرونداس أيضًا الذي اشتهر بقصائد فكاهية يستلهم فيها الحياة الشعبية اليومية، وظهر ليكوفرون الذي كتب أيضًا في ذلك العهد صورًا شعرية سيريالية، ونذكر أرسطو فانيس البيزنطي أيضًا الذي اهتم بالنقد بجانب كونه شاعرًا، وفيليتاس شاعر المراثي، وموسخوس الشاعر الفكاهي الذي صور في شعره أصحاب الحرف من صيادين وباعة ومهرجين، وماخون الذي اشتهر بالمسرحيات الشعرية الفكاهية، وكان أبولونيوس هو الشاعر الوحيد الذي ولد بالإسكندرية من بين هؤلاء الشعراء جميعهم، وبالرغم من أنه كان من مؤسسي جماعة الحمام التي تدعو إلى كتابة القصائد القصار، إلا أنه كتب ملحمة كبيرة خالف بها اتجاه الجماعة وهى ملحمة (رحلة السفينة أرجو)، وقد أدى ذلك إلى اشتعال المعارك الأدبية آنذاك"( ).
وعلى هذا لابد من الإشارة إلى التنوع والتعددية في الموقف والمضامين والأشكال التي اختص بها الشعر في الإسكندرية، فحقق لنفسه شخصية مختلفة ومتميزة بين شعر الأمم في تلك المرحلة، "يتضح من هذا العرض الموجز السريع أن شعر الإسكندرية في أزهى عصوره امتاز بالتنوع الذي حقق له الثراء الفني، وكان معظم هؤلاء الشعراء باحثين، منهم من وضع فهارس المكتبة مثل كاليماخوس، ومنهم من كان أميناً عاماً لها مثل أبولونيوس، وامتاز الشعر بالتجديد في الرؤية والبناء والأغراض، مع وجوده في منظومة تجمع أطرافه تمثلت في جماعة ذات الفلسفة الواضحة في ملامح التجديد التي دعت إليها"( ).
ويقف الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي في دراسته عن الشعر السكندري عند التساؤل فيقول: "لكن ما هو شعر الإسكندرية؟ هل هو الشعر المكتوب عنها الذي يتحدث عن المدينة ويصف وجوه الحياة فيها‏، ‏أم أن هناك خصائص أخرى يتمثل بها هذا الشعر ويتميز؟‏‏
يجب أولاً أن نعرف أن هذا التراث يضم أعمالاً تعتبر الآن ذخيرة بشرية منها ما نظمه كاليماخوس في شكل الإبيجراما‏، وهي شكل شعري مكثف يتألف من بضعة أبيات‏، تبدأ بالوصف وتنتهي بالحكمة أو العبرة‏,‏ وقد عرف اليونانيون هذا الشكل قبل أن ينظم فيه كاليماخوس‏، ‏لكن كاليماخوس هو الذي قدمه على غيره من الأشكال وأعطاه طابعه المميز‏، فإذا ذكرت الإبيجراما الآن ذكر كاليماخوس وذكرت الإسكندرية‏، ‏وكما تنتمي الابيجراما للإسكندرية تنتمي لها قصائد ثيوكريتس الرعوية‏، وملحمة أبو للونيوس البطولية‏، وشعر ثيوكريتس كله جزء لا يتجزأ من شعر الإسكندرية .


الإسكندرية الموجات الفكرية


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع