مدونة الشاعر والناقد عبد الله هريدي


الأدب بين إمتاع الأسماع وتقويم الطباع - جزء1

عبد الله رمضان خلف مرسي | Abdullah Ramadan Khalaf Morsy


18/12/2020 القراءات: 1500  


الأدب بين إمتاع الأسماع وتقويم الطباع
كتبه/ د. عبد الله رمضان
يختصر عنوان المقال -على نحو ما- وظيفة الأدب في الحياة؛ فهي ذات بعدين: البعد الجمالي وما يتعلق به من تذوق وعاطفة وخيال، والبعد الرسالي وما يتعلق به من فكر ورؤية وتوجيه للسلوك.

وإذا رجعنا إلى تراثنا المعجمي للكشف عن المعاني التي تتجلى في كلمة "أدب" نجد ثراء وتنوعا يجعل للكلمة الكثير من الدلالات التي تطورت منذ القديم وحتى الآن؛ فقد عرف الجاهليون كلمة "أدب"، وكانت تعني ضمن ما تعني "الدعاء" و"الجمع"، والآدِبُ هو الداعي، قال طرفة بن العبد في معرض حديثه عن الكرم:

نحن في المَشْتَاةِ نَدْعُو الجَفَلَى *** لا تــرى الآدِب فينا يَنْتَقِر
وأدب البحرِ -بالتحريك– كثرة مائه، عن أبي عمرو، يقال: جاش أدَب البحر، وأنشد.
عن ثَبَجِ البَحْرِ يَجِيشُ أَدَبُهْ(1 ).
والمَأدُبَة من الأدَبِ طَعَامُ الدّعْوَةِ ... والمُؤْدِبُ: صاحِبُ المَأدُبَةِ ... وأدَبْتُ القَوْمَ على أمْرِ كذا آدِبُهم وآدُبُهم أدْبًا: أي جَمَعْتُهم عليه، ومنه مَأدُبَةُ الدّعْوَةِ( 2).
وفي لسان العرب ذكر ابن منظور أن الأدب سُمِّيَ أَدَبًا لأَنه يَأْدِبُ الناسَ إلى المَحامِد، ويَنْهاهم عن المقَابِح. والأَدَبُ كذلك الظَّرْفُ وحُسْنُ التَّناوُلِ ... وفلان قد اسْتَأْدَبَ: بمعنى تَأَدَّبَ. ويقال للبعيرِ إذا رِيضَ وذُلِّلَ: أَدِيبٌ مُؤَدَّبٌ. وقال مُزاحِمٌ العُقَيْلي.
وهُنَّ يُصَرِّفْنَ النَّوى بَين عالِجٍ ونَجْرانَ، تَصْرِيفَ الأَدِيبِ المُذَلَّلِ( 3)
واصطلاحًا تدل كلمة "الأدب" على الكلام البليغ الذي يرجو به صاحبه التأثير في قارئيه وسامعيه، وقد يكون هذا الكلام شعرًا أو نثرًا.
ويجب أن يشتمل كل قسم من أقسام الأدب أو فرع من فروعه على السمات الخاصة به التي تعارف عليها أهل التخصص.
الأدب والرقي الحضاري
يمثل الأدب مرآة تدل على حضارة أمة من الأمم أو وحشيتها وتأخرها وانحدارها، فكلما ارتقت الآداب ارتقت الأمم، وإذا "أراد العاقل أن يعرف درجة التمدّن التي بلغها شعب من الشعوب يبحث عن انتشار الآداب بين أهلهِ؛ ولذلك ترى المؤرخين يقدمون في تاريخهم تاريخ الآداب على تاريخ الوقائع، وربما أفردوا للآداب تاريخًا قائمًا بذاتهِ يثبت ما يختص بالعلوم والمعارف في كل ملّة مخبرًا عن نشأة الآداب بينها واتساع نطاقها وأسباب ترقيها ونتائجها الطيبة في إصلاح العموم وتحسين أخلاقهم ودفعهم إلى المشروعات الأثيرة والمساعي الخطيرة"( 4)، ويتضح ذلك جليا في حضارتنا الإسلامية أيام ازدهارها؛ فقد ارتقت الآداب العربية وتعددت ألوانها وطرائقها وأساليبها، وكان لها آثار واضحة على آداب الأمم الأخرى في الشرق والغرب.
أثر الأدب في السلوك والطباع
للكلام البليغ لذة خاصة ومتعة مميزة وأثر واضح لتحسين القدرة التعبيرية للسامع والقارئ خصوصا إذا تلقاه من أهل الفصاحة والبلاغة، وفي ذلك يقول الجاحظ: "إنّه ليس في الأرض كلامٌ هو أمتَعُ ولا آنَق، ولا ألذُّ في الأسماع، ولا أشدُّ اتصالاً بالعقول السليمة، ولا أفَتَقُ للِّسان، ولا أجودُ تقويماً للبيان، مِن طول استماعِ حديثِ الأعراب العقلاء الفصحاء، والعلماءِ البلغاء، وقد أصابَ القومُ في عَامَّة ما وَصَفوا"(5)..

ومن وظائف الأدب الإمتاعية أنه يذهب الملل ويشرح الفؤاد، "وكان علي بن أبي طالب يقول: إن هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكمة"( 6).

وللأدب دور في تكوين الشخصية السوية التي يمكن الاعتماد عليها وإيكال الأمور العظام إليها، فقد كتب الحسن بن سهل إلى محمد بن سماعة القاضي "أما بعد، فإنني احتجت لبعض أموري إلى رجل جامع لخصال الخير ذي عفّة، ونزاهة طعمةٍ، قد هذّبته الآداب، وأحكمته التجارب؛ ليس بظنين في رأيه، ولا بمطعون في حسبه؛ إن اؤتمن على الأسرار قام بها، وإن قلّد مهمًّا من الأمور أجزأ فيه؛ له سنٌّ مع أدب ولسان، تقعده الرزانة ويسكنه الحلم"( 7).
ومن سمات العاقل الذي يسعى للمعالي ويطلب النفيس والغالي أن يحرص على "مجالسة الرجال ذوي الألباب، والنظر في أفانين الآداب، وقراءة الكتب والآثار، ورواية الأخبار والأشعار، وأن يحسن في السؤال، ويتثبت في المقال، ولا يكثر الكلام والخطاب، إن سئل عمّا يعلمه أجاب، وإن لم يسأل صمت للاستماع، ولم يتعرض لمكروه الانقطاع"(8 ).

وفي هذا السياق يذكر ابن عبد البر القرطبي أن "أولى ما عني به الطالب، ورغب فيه الراغب، وصرف إليه العاقل همه، وأكد فيه عزمه -بعد الوقوف على معاني السنن والكتاب- مطالعة فنون الآداب، وما اشتملت عليه من وجوه الصواب"(9 ).

ويحدد كنه هذه الفنون وأنواعها ووظائفها فيقول عنها: إنها "أنواع الحكم التي تحيي النفس والقلب، وتشحذ الذهن واللب، وتبعث على المكارم، وتنهى عن الدنايا والمحارم، ولا شيء أنظم لشمل ذلك كله، وأجمع لفنونه، وأهدى إلى عيونه، وأعقل لشارده، وأثقف لنادره؛ من تقييد الأمثال السائرة، والأبيات النادرة، والفصول الشريفة، والأخبار الظريفة، من حكم الحكماء، وكلام البلغاء العقلاء: من أئمة السلف، وصالحي الخلف، الذين امتثلوا في أفعالهم وأقوالهم، آداب التنزيل، ومعاني سنن الرسول، ونوادر العرب وأمثالها، وأجوبتها ومقاطعها، ومباديها وفصولها، وما حووه من حكم العجم، وسائر الأمم"(10 ).

ويرى أن في الاهتمام بالآداب والسير والأخبار فائدة عظيمة تنضاف إلى الفوائد الإمتاعية، وهي التأثير الإيجابي على السلوك، والاقتداء بما ورد في الآداب والأخبار من أخلاق حسنة ومسالك طيبة وتلميحات ذكية، يقول ابن عبد البر: "ففي تقييد أخبارهم، وحفظ مذاهبهم، ما يبعث على امتثال طرقهم واحتذائها، واتباع آثارهم واقتفائها"(11 ).


الأدب، الأسماع، الشعر


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع