مدونة عبدالحكيم الأنيس


عذاب الهدهد والتنفيس عن الذات (2)

د. عبدالحكيم الأنيس | Dr. Abdul Hakeem Alanees


23/08/2022 القراءات: 225  


وقال ابنُ عجيبة (ت: 1224): "قيل: كان عذابه للطير: نتفه ريشه وتشميسه. أو يجعله مع أضداده في قفص. أو بالتفريق بينه وبين إلفه. وعن بعضهم: أضيقُ السجون معاشرة الأضداد، ومفارقة الأحباب. أو نتفه. وطرحه بين يدي النحل تلدغه، أو: النمل تأكله" .
وكان الجلال المحلّي (ت: 864) قد قال: "بنتف ريشه وذنبه ورميه في الشمس فلا يمتنع من الهوام". فقال محشيه الشيخ سليمان الجمَل (ت: 1204): "هذا أحدُ الأقوال في معنى تعذيب سليمان للطير. وقيل: هو أن يجعل الطير مع ضده. وقيل: هو بالتفريق بينه وبين إلفه. وقيل: هو أن يُطلى بالقطران ويشمس. أبو السعود" .
وقال الشوكاني (ت: 1250): "وقيل: هو أنْ يحبسه مع أضداده" .
وقال الألوسي (ت: 1270): "قيل بنتف ريشه، ورُوي ذلك عن ابن عباس، ومجاهد، وابن جريج. والظاهر أن المراد جميع ريشه، وقال يزيد بن رومان: بنتف ريش جناحيه، وقال ابنُ وهب: بنتف نصف ريشه. وزاد بعضُهم مع النتف إلقاءَه للنمل، وآخرُ: تركَه في الشمس، وقيل: ذلك بطليه بالقطران وتشميسه، وقيل: بحبسه في القفص. وقيل: بجمعه مع غير جنسه. وقيل: بإبعاده من خدمة سليمان عليه السلام. وقيل: بالتفريق بينه وبين إلفه. وقيل: بإلزامه خدمة أقرانه. وفي "البحر [المحيط]": الأجود أن يُجعل كلٌّ من الأقوال مِنْ باب التمثيل" .
وجاء في "التفسير الوسيط" :"أي: لأُعذبنه.. بنحو نتف ريشه، وتجويعه".
وقال الشعراوي (ت: 1418): "وقد تكلَّم العلماء في كيفية تعذيب الهدهد، فقالوا: بنتف ريشه الجميل الذي يزهو به بين الطيور، حتى يصير لحمًا ثم يُسلط عليه النمل فيلدغه. أو يجعْله مع غير بني جنسه، فلا يجد لها إلفًا ولا مشابهًا له في حركته ونظامه. أو أنْ يُكلِّفه بخدمة أقرانه من الهداهد التي لم تخالف. أو أجمعه مع أضداده، وبعض الطيور إذا اجتمعتْ تنافرتْ وتشاجرتْ، ونتف بعضُها ريش بعض؛ لأنهم أضداد؛ لذلك قالوا: أضيقُ من السجن عِشْرة الأضداد.
والشاعر [المتنبي] يقول:
ومِنْ نكَدِ الدُّنيا على المرء أنْ يَرى … عدُوًّا له ما مِنْ صداقته بُدُّ" .
وناقش مفسرٌ متأخرٌ هذه الأقوال، وحملها على محمل الجدِّ، وهو الشيخ العثيمين (ت: 1421) فقال: [بنتف ريشه وذنبه ورميه في الشمس فلا يمتنع من الهوام]، هذا شيء عجيب، فتقدير هذا التعذيب بهذا الشيء على أي دليل؟! وبعضهم يقول: {لأعذبنه عذابًا شديدًا} أحبسه مع شيء ليس من جنسه، فأضع الهدهد مع العصافير، ويقولون: من أشد العذاب على الحيوان أن يُحشر في غير جنسه، فلو وُضع الآدمي مع الجن يتعذب، أو الجن مع الآدمي يتعذبون. ولكن هذا أيضًا ليس بصحيح؛ لأننا نشاهدُ الآن أن أشياء تُجعل مع غير أجناسها ولا تتعذب، كأن يكون عند أحدهم مواش: بقر وغنم وإبل ومعز ويكونون دائمًا في حوش واحد ولا يتعذبون.
فالصواب أنَّ هذا التعذيب الذي قاله سليمان غير معلومٍ لنا، إنما هو عذاب شديد، والله تبارك وتعالى لم يبينه، ولكن يكفي أنْ نعرفَ أنه شديدٌ" .
والشيخ العثيمين كان في بلده معززًا مكرمًا، لا جرم أن استبعد هذه الأقوال كلها، ولم ير الخوض فيها، واكتفى بما اكتفى النصُّ به.
وأعان الله مَنْ كان يعاني شيئًا من أنواع عذاب الهدهد، الذي سلمَ باستثناء سليمان من كل ذلك العذاب...
***


عذاب الهدهد


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع