مدونة أ.د. نغم حسين نعمة


محو الامية وانعكاساتها في تحقيق التنمية المستدامة

أ.د. نغم حسين نعمة | nagham Hussein alnama


01/09/2020 القراءات: 1145  


الأمية آفة اجتماعية، يكابدها من يقع فيها، ويعاني منها كل من حوله، وتقع آثارها السيئة على المجتمع بأسره. فالأمي به جزء معطل، حتى لو كان يكدح ويكسب ويضيف إلى الحياة المادية الكثير، وهو فرد معطل ، لأن الإنسان لم يخلق ليأكل ويشرب فقط ، ولا يعمل فقط كالآلة ، لكن ليتذوق ويتسامى ويفهم ويدرك ويربط وينقد ويبدع ، وكل هذه الطاقات يمكن أن تتعطل أو يصيب العطب جزء منها جراء الأمية.
وقد عرفت على مدار حياة طويلة أناسا أذكياء بالفطرة ، طموحين بلا حدود ، لكن ذكاءهم وطموحهم كان يصطدم دوما بأميتهم ، وكان نهمهم إلى معرفة ما يدور حولهم في العالم الفسيح يقف باستمرار عند حاجز العجز عن فك شفرات الحروف الأبجدية ومعرفة مبادئ الحساب. ورغم أن بعضهم كانت لديه فطرة أكثر استعدادا للتقدم في مسالك الحياة ، أو كان يملك جينات وراثية ذكية، أو لديه إلهام وتخاطر، فإنه لم يرتق إلى المستوى المطلوب، ومع تقدم السنين فاقه من هو أقل منه ذكاء فطريا أو وراثيا لمجرد أنه ذهب إلى المدرسة وتلقى تعليما منتظما فاكتسب ثقافات ومهارات أهلته لأن يحصد من ثمرات الحياة ما يليق به.
رغم اتساع رقعة التعليم من الناحية الشكلية وزيادة عدد المدارس في العالم العربي فإن الأمية الأبجدية لم تتراجع ، بل حافظت على تواجدها وتتقدم أحيانا إلى مستويات مخيفة جراء تخلف بعض الأسر عن تقديم أولادهم إلى التعليم الأساسي من ناحية، وقيام البعض الآخر بتسريب أنجالهم وأحفادهم من التعليم ، دون أن يكون قد حصلوا ما يؤهلهم لقراءة سليمة معافاة. وسيطرة بعض الأفكار الخاطئة التي ترى أن البنات لا يجب أن يذهبن إلي المدارس، وإن ذهبن فلفترة محددة، تطبيقا لمثل يقول: "مصير البنت الزواج" ، وقتلا لمبدأ عظيم يحتويه بيت شعر عميق لأحمد شوقي يقول: "الأم مدرسة إذا أعددتها.. أعددت شعبا طيب الأعراق".
ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل إن أعدادا غفيرة ممن أكملوا تعليمهم حتى نهاية المراحل الجامعية يعانون من أمية ثقافية ، لأن دراستهم اقتصرت على المرور السريع على المناهج المقررة سلفا، وحتى لو أمعن بعضهم النظر فيها ووعاها عن ظهر قلب، فإنها في حد ذاتها قاصرة عن صنع عقل ناقد ومبدع.
ومن المؤسف فإن نظامنا التعليمي ينتمي إلى الطريقة التقليدية في اغلب الاحيان ، التي تعتمد على الحفظ والتلقين ، وتوصد الباب أمام الابتكار وإنتاج الجديد والملائم ، الأمر الذي حول مدارسنا إلى ما يشبه الكتاتيب وحول جامعاتنا إلي مدارس أولية ، فضعف مستوى الخريجين ، وتضاءلت قدراتهم على أن يحوزوا منهج تفكير مناسب في حل مشكلاتهم الحياتية، علاوة على عدم ملاءمة الأغلبية منهم لسوق العمل، لأن الجهات التعليمية التي مروا بها، ثم لفظتهم إلى الشارع، لم تعن بالتدريب، قدر عنايتها بالتدجين، وتعمدها سلب التلميذ في البداية والطالب في النهاية أي قدرة على التفكير المستقل، وأي منطق لبناء موقف من المجتمع والعالم، بل والكون الفسيح.
وأضر هذا الوضع ضررا بالغا بالبحث العلمي، فبات يدور في أغلبه حول جمع المتفرق أو اختصار المسهب وتطويل المختصر، ولم يرق إلى المستوى المناسب في تأدية وظائف البحث الأخرى ومنها تجلية الغامض واستكمال الناقص ، ولا تلوح في الأفق أي بوادر على أنه سيصل عند أغلبية باحثينا إلى المرتبة الأسمى في البحث والتدقيق وهي نقد السائد وابتكار الجديد، وهما مرحلتان مهمتان ليس بالنسبة للعلم ومناهجه فحسب، بل أيضا بالنسبة للحياة العملية، بمختلف اتجاهاتها ومناحيها.
وللأمية الأبجدية والثقافية أثر ضار على السلوك الاجتماعي ، فالدراسات الاجتماعية تبين أن أغلب المنحرفين والجانحين من الأميين ، والدراسات السياسية تظهر أن الأمية بألوانها كافة تؤدي إلى تراجع مستوى الانخراط والمشاركة السياسية. كما أن دراسات التنمية تبين أن تراجع المستوى المعرفي للعامل والفلاح والموظف يؤثر سلبا علي معدلات النمو، من منطلق الدور الرئيسي الذي يلعبه العنصر البشري في التقدم الاقتصادي والرفاه الاجتماعي.
ويمكن أن نستلهم في هذا طريقة التعليم التكاملي المستمر التي وضعتها اليابانية يوشيكو نومورا، قاصدة بها التحول من التعليم المبني على المعرفة إلى التعليم الذي يؤسس على الحكمة، والتحول من التعليم الذي يركز على المعرفة العقلية إلي تعليم شامل للشخصية ككل ، والتحول من تعليم الثقافة التقليدية لخلق ثقافة جديدة ، والتحول من التعليم المرتبط بسنين المدارس إلى تعليم متكامل مستمر على مدار العمر. وتؤمن هذه النظرية بأن كل شيء في الحياة هو مادة للتعليم الذاتي وأن تعليم الطفل يجب أن يصاحبه تعليم الوالدين والمدرس أيضا.
إن الاعتراف بمحو الأمية كأحد حقوق الإنسان هو أمر يبرره عدد من الفوائد التي ينالها الفرد والعائلة والمجتمع والدولة بشكل عام. وفي هذا الصدد يفيد تقرير صدر حديثا عن منظمة اليونسكو، أن مهارات القراءة والكتابة غدت أمرا جوهريا لعمليات اتخاذ القرار ولتمكين الفرد، رجلا كان أو امرأة، من الاشتراك الفعال في أنشطة المجتمع المحلي والدولي.
ويوضح التقرير أن فوائد محو الأمية تتضح فقط في حال أن تكون هناك أطر تنمية سليمة وتطبيق فعال لحقوق الإنسان داخل المجتمع. فالفوائد الفردية لمحو الأمية تتجلى فقط عندما تكون مواد وأدوات التعلم متاحة أمام الفرد المستهدف. وبالمبدأ ذاته لا تتجلى الفوائد الاقتصادية لمحو الأمية إلا في حال أن تكون هناك سياسات اقتصادية سليمة واستثمار في البنية التحتية وتفعيل لإجراءات السياسات التنموية بشكل عام. وبشكل مماثل، فإن هناك فوائد وثماراً معينة، مثل تمكين المرأة، لن تتأتى إلا من خلال وجود بيئة ثقافية تحتوي النساء وتتفاعل معهن بشكل إيجابي. وفي الوقت ذاته فإن فوائد محو الأمية تعتمد بشكل كبير على القنوات التي تُنجز من خلالها عملية إكساب مهارات القراءة والكتابة. فبعض القنوات التي تقدم من خلالها مثل تلك الخدمات تؤدي إلى نتائج سلبية وعكسية.


محو الامية ، التنمية المستدامة


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع