مدونة د. طه أحمد الزيدي


الفتاوى السياسية والفتاوى المسيّسة (تأملات في الفقه السياسي)

د. طه أحمد الزيدي | Dr. TAHA AHMED AL ZAIDI


28/09/2022 القراءات: 280  


الفتاوى السياسية والفتاوى المسيسة
في البدء نؤكد على خطورة الإفتاء في القضايا السياسية وقد تنبه لذلك العلماء السابقون، يقول الشهرستاني رحمه الله (الملل والنحل 1/22): "وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الامامة، إذ ما سل سيف الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُلّ على الامامة في كل زمان"، ولذلك استغل من قبل بعض الفرق الإسلامية المنضبطة وغير المنضبطة.
وقد افرز ذلك حالة اضطراب في التفريق بين الفتاوى السياسية والفتاوى المسيّسة، تحتاج إلى ضبط بعيدا عن الأهواء، إذ يعدّ جمع من الفقهاء المعاصرين الفتاوى المسيسة نوعاً من التلاعب بالدين لصالح أمور سياسية أو كيانات حزبية، وحذروا من الإفتاء على وفق الأهواء السياسية أو إرضاءً لتوجه سياسي عام، في المقابل يريد بعض العصرانيين تحجيم دور الحركات الإسلامية ذات الطابع السياسي عن الترويج لرؤيتها المستنبطة من السياسة الشرعية.
وقد فطن الفقهاء السابقون إلى مراعاة استقلالية المفتي، وإن كانت ضمن دائرة الاجتهاد والتقليد، لذا يقسم ابن الصلاح رحمه الله (أدب المفتي والمستفتي ص 86) المفتي بصورة عامة الى: مستقل وغير مستقل، ويقصد بالمستقل المجتهد المطلق، ويقدم المفتي المستقل بالاجتهاد على غيره، وحتى المفتي المقلد فله مراتب منها قدرته على الاجتهاد في مذهب امامه، وهذه الاستقلالية تعطي قوة معنوية للمفتي وأثرا علميا ومجتمعيا لفتاواه، بل تنبه الفقهاء إلى مسألة ارتباط الفتوى بجهة ذات قوة إلزامية، كما في حكم إفتاء القاضي، وقد اختلفت عبارات العلماء فيه: فقد ذهب النووي رحمه الله، (آداب الفتوى والمفتي والمستفتي للنووي ص 21و 22) إلى أن القاضي كغيره في جواز الفتيا بلا كراهة، ونقل عن ابن الصلاح بعض تعليقات أبي حامد الاسفراييني، ان له الفتوى في العبادات وما لا يتعلق بالقضاء، وفي القضاء وجهان لأصحابنا، احدهما الجواز لأنه أهل، والثاني: لا، لأنه موضع تهمة، وقال ابن المنذر رحمه الله: تكره للقضاة الفتوى في مسائل الأحكام الشرعية، وقال شريح: أنا أقضي ولا أفتي، وقال القاسمي رحمه الله (الفتوى في الإسلام، هامش ص 76): فرقوا بين الفتيا والقضاء، بأن الفتيا لا الزام فيها، وأما القضاء ففيه إلزام، ووجه أنّ المفتي مخبر عن الحكم، والقاضي ملزم به.
في حين يرى بعض المعاصرين عدم الاشكالية الشرعية في ممارسة القاضي الإفتاء مستندين إلى المذاهب التي لا ترى كراهة في ذلك، يقول الدكتور عبد العزيز عزام (النظام القضائي في الإسلام، لعزام، ص 59): ولا فرق بين القاضي وغيره في جواز الإفتاء بما تجوز به الفتيا ووجوبها إذا تعينت، ولم يزل السلف والخلف على هذا، فإن منصب الفتيا داخل ضمن منصب القضاء عند الجمهور الذين لا يجوزون قضاء الجاهل، فالقاضي مفتي ومثبت ومنفذ لما افتى به، ويرى بعض العلماء أنه لا يوجد إفتاء مستقل عن السلطان والدولة، يقول الشيخ زكريا الانصاري رحمه الله (اسنى المطالب شرح روض الطالب 4/ 283): "وإنه ينبغي للإمام أن يبحث أي يسأل أهل العلم المشهورين في عصره عمن يصلح للفتوى، لمنع من لا يصلح لها منها، ويتوعده بالعقوبة على العود".
وبناء على ما سبق يمكن تحديد الآتي:
1- إنّ مصدر الفتوى السياسية إما ان يكون مصدرا مستقلا عن موقع القرار السياسي وإما أن يكون مرتبطا به، ولكل منهما قوة معنوية، فالمصدر المستقل يكسب عادة قوة نخبوية علمائية شعبية، والمرتبط يكسب قوة دعم من مركزه أو من السلطة، ولذا يتأثر هذا التقسيم بمدى مشروعية السلطة ومدى الوعي الديني للجماهير، وقوة شخصية المفتي، ورصانة الفتاوى السياسية على إثر دراسة متأنية للنصوص الشرعية ومقاصد الشريعة وفهم الواقع ومآلاته، ولذلك نميل إلى أنه مع تأثير مصدرية الإفتاء السياسي الا أن الذي يضبط ذلك أمران:
الأول: أهلية الإفتاء السياسي للمفتي.
والثاني: تمتع الفتوى بالمعايير الشرعية.
ولذلك نجد التاريخ السياسي الإسلامي يزخر بنماذج من الفتاوى السياسية المنضبطة التي صدرت عن شخصيات تبوأت مناصب في السلطة ولكنها لا تتوافق مع ميول الحاكم بل تعارضه، (كفتاوى الامام الماوردي والامام العز بن عبد السلام وكان قاضي القضاة)، فليس كل عالم عمل للسلطان تبنى الفقه التبريري أو كان من وعاظ السلاطين بغير حق.


فتاوى سياسية- الفقه السياسي- السياسة الشرعية- الفتاوى المسيسة- الفتاوى


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع