مدونة سعد رفعت سرحت


الملفوظ_التلفظ_المُتلفّظ في الدرس التداولي

سعد رفعت سرحت | Saad Rafaat sarhat


25/10/2022 القراءات: 287  




الملفوظ:إذا كانت الجملة كيانًا صُوْريًا مصطنعًا، فالملفوظ تحقيق واقعي و فعلي للجملة،أي ما يصدر عن متحدّث يتلقاه سامع،فالجملة تنتظم وتتكرّر آخذةً صورة شكلية واحدة منمطة،أي تتكرر باستمرار في كل استعمال،أمّا الملفوظ فغير قابل للتحقّق مرة أخرى.


مثلًا: إذا استعمل أحدنا ملفوظًا،وطلبنا منه إعادة ملفوظه،فلن يعيد الملفوظ نفسه،بل سيجري فيه تغييرات لا محالة،إنّه إذّاك يعيد الجملة ذاتها ولكنه لا يعيد الملفوظ ذاته((فالملفوظ لا يتحقق الا مرة واحدة)) وإنْ تحقّق بالألفاظ ذاتها فلن يكون للألفاظ المعنى ذاته،أي: إنّ الألفاظ قد تتفق في الملفوظ المكرّر، ولكن المعاني ستختلف باختلاف المقامات.


ومن ثمَّ،فالجملة_كما يرى بنفست_ وصف غير متحقق للنظام أو اللغة،والملفوظ يجسد التحقق الفعلي للكلام،أي التحول من اللغة إلى الخطاب.


#التلفّظ:فعالية إصدار الملفوظ آنيًّا،أي عملية إنتاج الملفوظ من جانب متكلم في زمان ومكان معينين والتوجه به صوب متلقٍ ،ويُستعمل مفهوم التلفّظ في الدراسة التداولية_بل في الدراسات الأدبية والنقدية عامة_ للتعبير عن استدعاء سياق الملفوظ،أي اللحظة التي قيل فيها القول،ففي الخطاب المكتوب يُغيّب السياق و يجهل القارئ اللحظة التي قيل فيها الملفوظ وملابساته ،وعندئذٍ سينصب جهد المُحلّل أو الدارس على استدعاء أو استرداد ذلك السياق وتلك اللحظة و لو افتراضًا،وبعبارة أخرى:سينصب جهد المحلّل على تمثّل حالة الخطاب لحظة التخاطب.


وبحسب ديكرو أنّ التلفظ يترك أثره المرجعي في الملفوظ، ويتمثل هذا الأثر بالإشاريات الشخصية(ضمير المتكلم) والاشاريات الزمانية والمكانية(الآن_ هنا)،فهذه الإشاريات سبيل للوصول الى معالم التخاطب حقيقةً،و هي أيضا دليل على أنّ الخطاب فعل لأنه صادر عن فعل تشاركي(ومنْ درس الإشاريات يعرف ذلك جيدا).


#المتلفّظ:المتكلّم الذي يحقّق الملفوظ من خلال عملية التلفظ،وهو بذلك يُنجِز خطابًا،وبتعبير التداوليين يحقّق اللغة بالكلام.

وقد يقترب مفهوم المتلفظ من مفهوم (وجهة النظر= المنظور)في الدراسات السردية،وذلك أنّ المتلفّظ ينقل في خطابه ملفوظات لقائلين آخرين، وبذلك يمنح بملفوظاته حياةً لمتلفّظين آخرين و يحدد موقعهم داخل ملفوظه،فقد يندمج المتلفظ مع من ينقل عنه في نصه،أو ينأى عنه، أو يتركه يعبر عن نفسه.وهنا ينبغي التمييز بين المتلفظ الواقعي الذي يتحدث، وبين المتلفظ الذي يُنقل عنه الكلام،فالمتلفظ الواقعي بالنسبة للمتلفظ المنقول عنه،مثل الشخصية بالنسبة للمؤلف(والمتخصص في السرديات يعرف ذلك جيدا).




يُضاف إلى ذلك أمور:

أولا: إنّ هذا التفريق يخدم الدراسات الأدبية عند التمييز بين الخطاب الشفوي الذي هو عبارة(خطاب آني=التلفظ) وبين الخطاب المكتوب الذي هو (خطاب مسجّل=ملفوظ)تؤجّل قراءته،وهو في انتظار قارئ يقوم ببعث سياقه.

ثالثًا:يرتبط الملفوظ بمستوى الدلالة،ويرتبط التلفّظ بمستوى المعنى،ففي المستوى الدلالي يدور التحليل في فلك الجملة أو الملفوظ،أما في مستوى المعنى فيدور التحليل في فلك التخاطب(=التداولية)،ومن هنا ظهرت التداولية المدمجة التي تعمل على دمج المستويين،إذ لا تكتفي التداولية بالقيمة الدلالية للملفوظ،بل بالقيمة التخاطبية للملفوظ.

ثالثًا:في مبحثي( افعال الكلام والاقتضاء التخاطبي) نعبّر عن المنطوق ظاهرًا ب"الملفوظ"ونعبّر عن الفعل المضمر ب"التلفّظ"،فمثلًا تقول((السجائر مضرة بالصحة))قد يفهم منه فعل إنجازي وهو((اترك التدخين)).

فقولك:((السجائر مضرة بالصحة))داخل في"الملفوظ"و ما يفهم منه (اترك الندخين)فعل مضمر داخل في التلفّظ،لأننا من دون معرفة لحظة التلفظ وتمثّله، لا نفهم من القول مراده الا بالعودة الى سياق "تلفّظه".

رابعًا: المغزى من التركيز على هذه المفاهيم هو(تسييق الخطاب)من خلال استدعاء (المشهد التخاطبي) ولو افتراضًا، فكل ملفوظ يعكس تلفّظه(أي: يحمل حرارة المشهد التلفظي)،وكلّ ملفوظ تتعدّد فيه الأصوات حسب تعبير باختين.


الملفوظ والتلفظ والمتلفظ


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع