مدونة أ. د. محمود أحمد درويش


إعادة كتابة تاريخ الحملة البريطانية على مدينة رشيد المصرية 1807 في ضوء وثائق الأرشيف البريطاني (2)

أ. د. محمود أحمد درويش | Mahmoud Ahmed Darwish


03/10/2022 القراءات: 108  


ويمكن إيجاز أهم نقاط الاختلاف بين ما ورد في الجبرتي وما ورد بالوثائق البريطانية، فيما يلي:
ورد بالجبرتي أن هدف الحملة الإنجليزية بقيادة اللواء ماكينزي فريزر كان لتولية محمد بك الألفي واليا على مصر بديلا عن محمد علي، أما الحقيقة التي أكدتها الوثائق البريطانية أن الحملة العسكرية أُرسلت إلى مصر من خلال استراتيجية الصراع الدولي في البحر المتوسط، لتحقيق الأمن القومي البريطاني، وكان هدفها كما حددته الأوامر الصادرة إلى فريزر هو الاستيلاء على الإسكندرية فقط، في البداية، وتحويلها إلى قاعدة عسكرية بحرية بحر- متوسطية لمواجهة فرنسا في الصراع الدائر في مناطق النفوذ في البحر المتوسط، وتأمين الطريق الملاحي إلى الهند عبر مصر، وامتدت الأطماع البريطانية فيما بعد إلى رشيد ودمياط ومن بعدهما مصر بأكملها.
عندما كتب الجبرتي عن فرقة مماليك الألفي بقيادة شاهين بك وباقي الفرق الرافضة لمحمد علي، وعن اتصالاتهم بالقنصل البريطاني في مصر ميسيت، تصور الجبرتي أن الإنجليز سوف يساعدونهم في الاستيلاء على القاهرة، ولكن الحقيقة أن ميسيت كان يحتاج لمساعدة المماليك في الاستيلاء على الإسكندرية وما حولها، لتأمين العمق الاستراتيجي للقوات البريطانية، لأن الحملة جاءت إلى مصر بقوات لا يتجاوز عددها (6604) رجلا من أجل احتلال الإسكندرية فقط، ولم تكن هناك تعليمات من القيادة البريطانية نهائيا بتجاوز الإسكندرية، خاصة في المرحلة الأولى للحملة.
ذكر الجبرتي روايات مختلفة ومتناقضة عما سمعه من شائعات عن مقاومة الإسكندرية تارة واستسلامها دون مقامة تارة أخرى، وانتهى إلى أن الإسكندرية لم تقاوم لا شعبا ولا حامية عثمانية، وسارت بعض المراجع العربية على نفس المنهج، بل وصل بعضها إلى القول بأن المدينة استسلمت دون أن تطلق رصاصة واحدة، والحقيقة أن شعب الإسكندرية، كما ذكرت الوثائق البريطانية، قد استُنفر للقتال وكان ثائرا. وأن الحامية قاومت وكبدت الإنجليز بعض الخسائر، ولكن المعركة كانت بين قوى غير متكافئة، في الأعداد، وفي المعدات، وفي فنون الحرب.
أثيرت الاتهامات حول أمين أغا حاكم مدينة الإسكندرية المُعين بفرمان سلطاني، بأنه سلم المدينة دون قتال مقابل الحصول على رشوة من المال من الإنجليز، واتهمه محمد علي - كما ورد في الجبرتي - هو والشيخ محمد المسيري بتسليم المدينة، وسارت بعض المراجع العربية خلف هذا الاتهام، بل واتهمته بأنه خائن، والحقيقة أن حاكم المدينة، عندما تقابل مع الضباط الإنجليز الذين سلموه إنذار فريزر بالتسليم، رفض الإنذار البريطاني، وأرسل يستنجد بحكومة القاهرة، وأغلق بوابات المدينة، ووضع خلفها المتاريس، وخرج شعب الإسكندرية ثائرا ضد الإنجليز، واستعد للمقاومة.
ولكن تسببت عوامل عديدة في قبول أمين أغا وشعب الإسكندرية بالاستسلام، أهمها أن مهلة الإنذار البريطاني كانت 48 ساعة فقط، ولم تصل قوات نجدة من القاهرة، وبدا القصف المدفعي العنيف ضد الحامية التي لم يتجاوز عددها 467 رجلا، فانهارت الدفاعات الأمامية، ولا يخفى أن المدفعية الإنجليزية كانت على مستوى متقدم ونيرانها كثيفة، وكان أحد العوامل الرئيسية التي ساعدت على الاستسلام هو انسحاب الحامية العثمانية، واستسلام السفن البحرية العثمانية المكلفة بالدفاع البحري عن المدينة دون أن تشتبك مع الأسطول البريطاني، والذى كان في موقف حرج للغاية لو أطلقت عليه هذه البوارج العثمانية النيران، لهذا آثر أمين أغا سلامة السكان والمدينة، وكان واقعيا أمام هذه الظروف الصعبة.
وعلى ما يبدو، أن الذين نقلوا عن الجبرتي في هذه النقطة لم تكن أمامهم الصورة كاملة بالوثائق البريطانية، ولا يخفى أن الجبرتي عندما أشار إلى واقعة الاستسلام نقل عن لسان محمد علي باشا هذا الاتهام، وقد كانت هناك خلافات بين محمد علي وأمين أغا لعدم تبعية الثغور لوالي مصر، وسعي محمد علي إلى أن تكون تبعية كل أرض مصر لحكمة، خاصة أن الثغور كانت أحد أهم موارد الدولة الاقتصادية، وكانت تتبع الأستانة مباشرة ولا تتبع والي مصر، حتى هذه الأحداث.
هذا فضلا عن تفاصيل المعارك التي دارت بين مجاهدي رشيد والقوات البريطانية في الحملتين، وقد ذكرت الوثائق أسرارا لم يذكرها الجبرتي أو غيره، وكشفت الرسائل حجم الهزيمة التي تلقتها الحملة، وما تناولته عن صدى الهزيمة على الملك البريطاني والحكومة ومجلس العموم والقادة السياسيين والعسكريين. وعلى كل حال كانت هذه أهم النقاط الجوهرية محل الخلاف والخلط في الكتابة التاريخية، والذي أطلق العنان لتبرير الاستسلام السريع لمدينة الإسكندرية وسقوطها بسهولة، والتقليل من حجم انتصار شعب رشيد لدرجة أن المؤرخين العرب نسبوا الحملة إلى فريزر وليس لجيش بريطانيا، كما حدث في نسبة الحملة الفرنسية إلى فرنسا لا إلى نابليون بونابرت.
وهناك أمور وأحداث كثيرة لم يتطرق إليها الجبرتي، تم إلقاء الضوء عليها في هذا الكتاب، خاصة فيما أشارت إليه الوثائق البريطانية من بسالة وقوة المقاومة الشعبية في رشيد، ودور الشعب المصري في القاهرة والدلتا في المقاومة التي أذهلت القيادة البريطانية، وأصابت اللواء فريزر بالإحباط، وجعلته يطلب من حكومته الانسحاب من الإسكندرية، ومقدار الحسرة لدى العسكريين والسياسيين في بريطانيا جراء الهزيمة في رشيد، وإجبار الحملة على الانسحاب على وجه السرعة قبل أن يلطخ الشرف العسكري البريطاني بهزيمة فادحة، إذا تقدم الحشد الشعبي والعسكري من رشيد إلى الإسكندرية.


رشيد، الحملة البريطانية 1807، وثائق الأرشيفات البريطانية


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع