مدونة أ. د. محمود أحمد درويش


إعادة كتابة تاريخ الحملة البريطانية على مدينة رشيد المصرية 1807 في ضوء وثائق الأرشيف البريطاني (1)

أ. د. محمود أحمد درويش | Mahmoud Ahmed Darwish


03/10/2022 القراءات: 77  


رغم كثرة الكتابات في المصادر والمراجع العربية عن الحملة التي شنها جيش الامبراطورية البريطانية على الإسكندرية ورشيد، في مقدمة لغزو واحتلال مصر عام 1807، إلا أنها اعتمدت في التأريخ للأحداث على رواية عبد الرحمن بن حسن برهان الدين الجبرتي، في سفرة الضخم "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، والذي يجب أن نشير إليه في هذا الصدد، حيث يعد مرجعاً أساسياً لتلك الفترة. إلا أن الباحث عن الحقيقة يجدر به أن يكون مطلعا على جميع المصادر التي تناولت هذه الحملة، خاصة الوثائق التي حُفظت في الأرشيفات البريطانية، ومن أهمها بالطبع الرسائل والتقارير التي تم تبادلها بين قادة الحملة من العسكريين، إلى جانب الدبلوماسيين من الوزراء والسفراء وأعضاء الحكومة البريطانية، وهي بطبيعة الظروف التي أرسلت بها، كانت تتخذ في معظمها صفة السرية.
ولقد كنت أظن قبل أن أجوس خلال هذه المباحث التاريخية، وأشغل نفسي بتحقيق نقطها وضبط موادها، كما يليق بالمؤرخ الصادق، أن كاتبًا عربيًّا قد حام حول الحمى، ووفى هذه الفترة القريبة منا شيئًا من حقها التاريخي، ولكني لم أر واحدًا ممن وضعوا المجلدات الضخام، قد أتعب نفسه وكلفها مئونة البحث الصحيح، الدال على إخلاص في خدمة التاريخ، رأيتهم كلهم قد اعتمدوا على الشيخ الجبرتي، ونقلوا عنه حرفًا بحرف دون تقدير لظروف الرجل وكفاءته، ومن غير نظر إلى أنه كتب تاريخه، لا نقلا عن المصادر، ولا من أوراق ثابتة ذات قيمة أثرية، بل كان اعتماده على ما يصل إليه من أفواه الناس ورواة الأخبار، وغَلطهم أكثر من صوابهم، هذا فضلا عن أن الشيخ الجبرتي يعترف في كتابه، أنه ابتدأ في جمعه وتنسيقه في عام 1226هـ (1811م)؛ أي بعد عشرة أعوام من خروج الفرنسيين وثلاثة عشر من دخولهم، وأربعة أعوام من خروج الانجليز من مصر أيضا، ولا شك أنه قد أحاط بكثير من أخبار البلاد والعباد، مما جعله - إلى حد ما - صادق الأحكام دقيقاً في تحليل الأمور، مستوعباً لكل صغيرة وكبيرة من حياة الشعب المصري في الفترة التي تحدث عنها وتعامل معها. ولا بد من وقوعه في أغلاط كثيرة، وكان من أقل الواجبات على المؤرخين أن يلجئوا إلى المصادر الفرنسية والإنجليزية، ويكملوا ما نقص منها، أو يقارنوا بينها وبين ما خالف منها أقواله.
فللحق، حدث خلط في رواية الجبرتي عن الحملة الإنجليزية انعكس على الكتابات العربية بشكل أو بآخر، وكان الاعتماد على مصدر واحد في الكتابة التاريخية يعتمد أساسا على الرواية فيه تجن على الحقيقة التاريخية، حيث أن الجبرتي لم يكن يملك أدوات مؤرخي العصر الحديث، من الوثائق سواء التركية أو البريطانية أو غيرها، والتي يمكنها أن تعطي للمؤرخ صورة كاملة عن الحدث التاريخي وفق الموضوعية والحيادية، سواء بالمنهج التحليلي أو السردي في عرض الأحداث.
ومما لا شك فيه أن الكتاب القيم الذي كتبه المؤرخ جورج دوين (Georges Douin)، من المراجع التي تناولت هذه الحملة من حيث مقدماتها التي تبدأ منذ الحملة الفرنسية، والظروف السياسية في أوربا والصراعات التي دارت رحاها في الفترة من 1801 إلى قدوم هذه الحملة عام 1807. وقد اعتمد هذا الكتاب على المصادر الإنجليزية المتعلقة بتاريخ مصر الحديثة، فإلى جانب العديد من المراجع العربية التي اعتمدت على الجبرتي، والمراجع الأجنبية، تأتي الوثائق الواردة فيه بالكامل تقريبا من مكتب السجلات العامة، وتنتمي إلى الأرشيفات الغنية التي تنتمي إلى مكاتب الحرب (War Office)، والإدارة الخارجية (Foreign Office)، والأدميرالية (Admiralty). وتنقسم الوثائق إلى قسمين:
القسم الأول: ويبدأ منذ خروج الفرنسيين عام 1801 حتى بدء الاستعداد لغزو مصر عام 1806، وتشمل:
1. الوثائق الخاصة بمكاتب الحرب
2. الوثائق الخاصة بالإدارة الخارجية
القسم الثاني: من بدء الاستعداد للحملة في 1806 حتى مرحلة ما بعد الانسحاب من مصر في أكتوبر 1807، وتشمل:
1. الوثائق الخاصة بمكاتب الحرب
2. الوثائق الخاصة بالإدارة الخارجية
3. الوثائق الخاصة بالأدميرالية
4. مجموعة مختارة من المراسلات العامة للورد كولينجوود (Collingwood)، نائب أدميرال الأسطول البريطاني بالبحرية الملكية.
5. أوراق باجيت: مراسلات دبلوماسية ومراسلات أخرى لصاحب السمو السير آرثر باجيت(Arthur Paget) ، السفير البريطاني في الإمبراطورية العثمانية، تم تحريرها من قِبل (Augustus Paget).
6. سلسلة المخطوطات الإضافية للمتحف البريطاني
إن الوثائق البريطانية الخاصة بمراسلات الحملة، تمثل أهمية كبيرة في كشف الكثير من الحقائق التاريخية والتعبير عن وجهة النظر الأخرى في أحداث هذه الحملة.
ولذلك، فقد حاولنا في هذه الدراسة أن نجمع بين هذه الوثائق البريطانية، وبين ما ورد في المصادر العربية، وخاصة الجبرتي، وهى إضافة أعتقد أنها قد جاءت بجديد في مجال البحث التاريخي فيما ورد بهذه الوثائق البريطانية، فقد اتضح وجود اختلافات جوهرية في كثير من الأحداث عما ورد في روايات الجبرتي، والذي كان المصدر الأصلي للكثير من المراجع العربية في كتابة الحدث التاريخي عن هذه الفترة. كما أن الوثائق المنشورة تُعطي صورة مخلصة للأحداث، ولا ينبغي أن نخلص إلى أنه لا توجد فجوات: فالمحفوظات تقدمها دائمًا، والتي قد يسدها الباحثون أكثر منا.
لقد أعادنا طبع ملاحظات على الحملة إلى الإسكندرية عام 1807، "Notes on an expedition to Alexandria, 1807"، والتي نُشرت في 1837 و 1838، في مجلة le United Service Journal و The United Service Magazine، ولم يتم تحديد هوية المؤلف، الذي وقع تحت الاسم المستعار "مايلز"(Miles). إلى أنها قصة شاهد عيان يسرد جزءً من الأحداث، مثل كل حكايات القادة المشاركين في الحملة، كالمراسلات العامة للفريق البحري اللورد كولينجوود والسير آرثر باجيت، ولكنها دقيقة وحية بشكل فردي، والتي تُكمل، من خلال هذه الحقيقة بالذات، ما كانت التقارير الرسمية، مضطرة إلى تجاوزه.


رشيد، الحملة البريطانية 1807، وثائق الأرشيفات البريطانية


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع