مدونة عبدالحكيم الأنيس


العبارة الواضحة في معاني الفاتحة للشيخ عبدالعزيز الديريني

د. عبدالحكيم الأنيس | Dr. Abdul Hakeem Alanees


24/09/2022 القراءات: 609  


هذا تفسير موجز لسورة الفاتحة، كتبه الإمام الشيخ عبدالعزيز بن أحمد الديريني (612-694) في كتابه "سر الأسرار وسير الأبرار" تحت هذا العنوان، وكان كثير العناية بسورة الفاتحة.
وقد رأيتُ استلاله لفائدته:
***
(بسم الله الرحمن الرحيم) أبتدئ في الخطاب بذكر الله الإله المعبود الذي لا يستحق العبادة سواه وهو الله (في السماء إله وفي الأرض إله). وكل هذا ردٌّ على المشركين.
وهو المقصود الذي يُولَهُ إليه، -أي يُقصد-، وغيرُه لا يَستحق أنْ يُسأل ولا يُعبد.
وهو الذي تولّهت العقولُ في تعظيم جلاله، وولهت الأرواحُ طربًا بشهود جماله.
وهو الذي لاهَ أي علا وجلَّ عن التكييفِ والإحاطة، واحتجب بعزه عن إدراك الأبصار وتكييف البصائر، ودامَ وبقيَ وتنزَّهَ عن الأشباه والنظائر.
(الرحمن الرحيم) المحسن ظاهرًا وباطنًا في الدارين، وقد عمَّ فضله الكونين، وهو أرحم الراحمين.
(الحمد لله رب العالمين): الثناءُ الحسنُ لله موجد كلِّ موجود، موجد جميع المخلوقين، فهو مالكُهم، ومدبرُ أمورهم، وسيدُهم، ومعبودُهم، لا ربَّ سواه.
ولفظ "العالَم" يشملُ كلَّ موجود سوى الله، لأنه علَم على وجود الله.
ولفظ "الحمد" يشملُ كلَّ ثناءٍ أثنى اللهُ تعالى به على نفسه، أو أثنى عليه أحدٌ من خلقه، من الأسماء الحسنى والصفات العلى، التي لا تُحصر ولا تُحصى، فقد أثنى سيدُ المرسلين وحبيبُ رب العالمين بما أوحي إليه من الثناء بأنه تعالى هو الموجودُ القديمُ الذي لا بدايةَ لأزليته، الباقي الدائمُ الذي لا نهاية لأبديته، الصمدُ الذي لا يشبه شيئًا من بريته، الواحدُ في ذاته وصفاته وأفعاله فلا شبيه له في صمديته وأحديته وأزليته وأبديته، ولا شريك له في مملكته، وكان نهايةُ ثنائه الاعترافَ بأنَّ ثناءَه فوق ما يصف الواصفون، وتعظيمَه أعظم مِن أن يعرفه العارفون، فلذلك قال مشيرًا لكل واصفٍ بأن يمسك: "لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك".
فإذا قرأ القارئ: (الحمد لله) شاهدَ بسرِّه أوصافَ الجلال والجمال والكمال، وأعرضَ عن كل ما يصوره وهمٌ أو خيالٌ.
فإذا قال: (رب العالمين) نظرَ كل ما سوى الله بعين الفناء والزوال، فلم يشتغلْ بغير الله، ولم يخطرْ له ببال.
(الرحمن الرحيم) المنعم على جميع خلقه في الدنيا والآخرة، بالنعم الباطنة والظاهرة، فالظاهرةُ: ما أعطاك من النعم، والباطنةُ: ما أودَعك من معرفته في قلبك.
قوله تعالى: (ملك يوم الدين) أي يوم الجزاء والحساب، فالملكُ له والتدبيرُ والحكمُ والتصريفُ عند انقطاع الدعاوي وارتفاع الوسائط (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار).
فالعارفُ إذا قرأ (ملك يوم الدين) شاهدَ القيامةَ وما فيها. وقد قالوا: حقيقةُ الاستقامة أنْ تشاهد وقتَك كأنه القيامة. فإمّا أنْ يُدهشك الخوفُ، وإمّا أنْ يُقلقك الشوقُ.
وقال تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين):
أنت المعبود، نعبدُك ونوحدُك، ونعتقدُ أن لا معبود يستحقُّ العبادة في السماوات والأرض سواك، (وإياك نستعين) على تحصيل ما نرجو، ودفعِ ما نكره، في الدنيا والآخرة، ولا مقصود سواك.
(إياك نعبد) نفعلُ ما أمرتَ به (وإياك نستعين) على ترك ما نهيتَ عنه.
(إياك نعبد) امتثالًا لأمرك (وإياك نستعين) فأعنّا على عبادتك، فلا حول ولا قوة إلا بك.
(إياك نعبد) الآن (وإياك نستعين) على الخاتمة، فاختمْ لنا بالإيمان.
(إياك نعبد) وذلك بتوفيقك (وإياك نستعين) على القبول، فإنه من فضلك.
(إياك نعبد) نتبرأ مِن قول الجبرية (وإياك نستعين) فنخرجُ عن معتقد القدَرية.
(إياك نعبد) تمسُّكًّا بالشريعة (وإياك نستعين) اعترافًا بالحقيقة.
(إياك نعبد) تمامُ نصفِ الفاتحة الذي هو ثناء (وإياك نستعين) بدايةُ النصف الذي هو دعاء، ولهذا قُسمت نصفين.
فإذا قال العارفُ: (إياك) كان مخاطبًا بالكاف إدلالًا، فليكن حاضِرًا بالسر إقبالًا، مشاهِدًا للتعظيم إجلالًا، ثم يسأل الإعانة تضرعًا وابتهالًا، ويعرف منة الله الذي أمرَه بذكره وعلّمه طلبًا وسؤالًا.
(اهدنا الصراط المستقيم): أرشدنا إلى سلوك الطريق المرضي القويم، وهو اتباعُ الكتاب والسُّنة. رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خطَّ في الأرض خطًا مستقيمًا، ثم خطَّ إلى جانبه خطوطًا وقال: هذا طريقُ الله يدعو إليه، وهذا طرق الشيطان، على كل طريق شيطان يدعو الناس إليه ثم تلا: (وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله).
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين مِن بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدث بدعة، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار" ، فمَن حاد عن طريق الحق فهو يمشي على وجهه قال الله تعالى: (أَفمن يمشي مكبًّا علىٰ وجهه أهدىٰ أَمن يمشي سويًّا علىٰ صراط مستقيم).
وقال تعالى: (وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور).
لا يستوي نورُ الإيمان والعرفان والإحسان، وظلمةُ الكفر والعصيان والجهل والنسيان، وكيف يستويان؟!
قال الله تعالى: (صراط الذين أنعمت عليهم) بالتوفيق، وهديتَهم إلى سلوك الطريق، (من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا) فاجعلنا معهم يا أكرمَ الأكرمين.
وقوله (غير المغضوب عليهم ولا الضالين):
قومٌ غضبَ اللهُ عليهم فما اهتدوا الى حقٍّ أصلًا، وهم الجاحدون الكافرون كعبّاد الأصنام، والمجوس، والدهرية، وغيرهم.
وقومٌ عرفوا الحقَّ، ثم ضلوا عنه بعد هدى كاليهود والنصارى، وكلِّ من اتبع بدعة أخرجته عن الاسلام.
وقومٌ غضبَ عليهم وأبعدهم وصدَّهم عن سبيله وطردَهم وحكمَ فيهم بعدله، وحرمهم لذةَ وصله.
وقومٌ أبصروا ثم عموا، وأُعطوا ثم سُلبوا وحُرموا سلوك الطريق، ثم ضلوا ومشوا قليلًا ثم دلوا [كذا]. نسألُ الله تمام الهداية، ودوام الرعاية، وجميل الكفاية.
ثم يقولُ القارئ: آمين. ومعناها استجب لنا يا رب العالمين.
فالمُصلي يناجي ربه، وأكبرُ مناجاته قراءة الفاتحة.
وبها تحصلُ الأنوارُ الواضحة.
وفيها تشاهِدُ السرائرُ لوامعَ البشائر لائحة.
والغافلُ مزكومٌ لا يجدُ رائحة.
***


تفسير الفاتحة.


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع