مدونة الدكتور محمد محمود كالو


انظروا عمّن تأخذون دينكم (2)

الأستاذ الدكتور محمد محمود كالو | Prof. Dr. Mohamed KALOU


01/10/2022 القراءات: 164  


انظروا عمّن تأخذون دينكم (2)

واليوم كثير ممن ينتسبون إلى الدَّعوة فيهم مضلِّلون يريدون الانحراف بالشَّباب وصرف الناس عن الدِّين الحقِّ وتفريق جماعة المسلمين والإيقاع في الفتنة، فهؤلاء الذين ينتسبون إلى الدَّعوة يجب أن يُنظر فيهم‏:‏ أين دَرَسوا؟‏ ومِن أين أخذوا العلم‏؟‏ وأين نشأوا‏؟‏ وما هي عقيدتهم وعلاقاتهم المشبوهة؟‏ وماذا أنتجوا من الخيرللناس‏؟‏ يجب أن تُدرس أحوالهم قبل أن يُغتَرَّ بأقوالهم ومظاهرهم، هذا أمر لا بدَّ منه خصوصًا في هذا الزَّمان، الذي كثر فيه دعاة الفتنة، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم دعاة الفتنة بأنهم قومٌ من جلدتنا، ويتكلَّمون بألسنتنا، والنبي صلى الله عليه وسلم لما سُئِلَ عن الفتن؛ قال:‏ ‏(‏دُعاةٌ على أبواب جهنَّمَ، من أطاعَهُم قذفوه فيها‏)‏ ‏[‏رواه البخاري]، دقق كيف سمَّاهم الرسول دُعاةً‏ !
وكثير منهم في هذا الزمان من يشكك في صحيح البخاري، أصح كتاب في الدنيا بعد القرآن الكريم، بل يطعن في بعض الصحابة الكرام، وقد قال الإمام أبو زرعة الرازي رحِمه الله تعالَى: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا حق، والقرآن حق، وإنَّما أدى إلينا هذا القرآن والسنة الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يُجرِّحوا شهودنا؛ ليبطلوا الكتاب والسنة، والْجَرح بِهم أولَى، وهم زنادقة". [الكفاية في علم الرواية:49].
وقد قال الإمام أبو جعفر الطحاوي رحِمه الله تعالى فِي وجوب مَحبة الصحابة: "ونُحب أصحاب رسول الله ولا نفرط فِي حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الْحَق يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بِخير، وحبُّهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان". [شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز: 2/ 689].
فمن أصول أخذ العلم لكل طالبٍ علم في بداياته أن يتلقّاه من الأفواه والمشافهة، وهذا ما عليه اعتقاد المسلمين قاطبة، فقد قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} [النمل:6]، وقال تعالى حاثاً نبيّه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يتّبع إقراء جبريل له وألاّ يعجل: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقرآنه. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْانه. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة:16-19]، بل كان أوّل تلقٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم لعلم القرآن؛ من خلال المقرأة وإتباع القراءة خلف جبريل عليه السلام كما في قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق:1].
يقول الإمام الأوزاعي: (كان هذا العلم كريماً، يتلاقاه الرجال بينهم، فلما دخل في الكتب، دخل فيه غير أهله) [سير أعلام النبلاء للذهبي: 7 / 114].
ومن الكلمات المأثورة عن الإمام محمد بن سيرين من أئمة التابعين قوله: "إنّ هذا العلم دين؛ فانظروا عمّن تأخذون دينكم". [رواه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: 1/ 76].
ويقول الإمام الأوزاعي: "اعلموا أن هذا العلم دين، فانظروا ما تصنعون، وعمن تأخذون، وبمن تقتدون، ومن على دينكم تأمنون" [تاريخ دمشق للخطيب البغدادي: 6/362].
ويقول إبراهيم النخعي: "كنا إذا أردنا أن نأخذ عن شيخ، سألناه عن مطعمه، ومشربه، ومُدْخله، ومُخرجه، فإن كان على استواء أخذنا عنه، وإلا لم نأته" [الكامل في ضعفاء الرجال للجرجاني: 1 / 163].
وقد نبّه الإمام مالك على بعض أوصافهم فقال:
"لا يؤخذ العلم عن أربعة: سفيهٍ يُعلن السفهَ، وإن كان أروى الناس، وصاحب بدعةٍ يدعو إلى هواه، ومن يكذب في حديث الناس، وإن كنتُ لا أتَّهمه في الحديث، وصالحٌ عابدٌ فاضلٌ إذا كان لا يحفظ ما يحدِّث به". [سير أعلام النبلاء للذهبي: 7 / 162].
فانظروا عمّن تأخذون دينكم وعلمكم، فليس كل صاحب عمامة عالماً، ولا كل ذي لحية فقيهاً، ولا كل ذي تمتمة بالذكر مخلصاً حريصاً على الدين والأمة، فالعلماء والدعاة لهم سيماهم، ويشهد فعلهم لقولهم، وحالهم أبلغ من مقالهم، ربانيون، همّهم أمتهم، ولا يبيعون دينهم بعرض من الدنيا.


دينكم، الحق، نسب وإسناد، العدالة، الضبط، الهزائم النفسية


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع