مدونة محمد سلامة الغنيمي


الهوية ودور مؤسسات التعليم في غرسها وحراستها، الأزهر أنموذجا

محمد سلامة الغنيمي | Mohamed Salama Al_Ghonaimi


06/10/2023 القراءات: 93  


الهوية كالصحة لا نشعر بها إلا إذا كانت مختلة، وقد أصبحت اليوم مهددة بسبب التدفق الهائل للمنتجات والأفكار، وقد أصبحنا نربي في بيئات مفتوحة على العالم بأسره، مما أربك وعي الأجيال الجديدة، وجعل صلتهم بتراثهم هشة ضعيفة.
والهوية هي العناصر المشتركة بين أفراد المجتمع، والتي تميزهم عن غيرهم، وتمنحهم الشعور بدفء الانتماء والإحساس بالأمن، وذلك يساعدهم على الاندماج والتفاعل مع بعضهم البعض، والتواصل فيما بينهم، فهي تشبه اللاصق الذي يربط أفراد المجتمع في لحمة واحدة، وذلك هو إكسير حياة المجتمع..
إن ترسيخ الهوية داخل المجتمع يقتضي المحافظة على لغته، واحترام تراثه وتقاليده، والامتثال لأوامره الدينية، وذلك بالطبع لا يعني النزاع أو الانعزال عن المجتمعات الأخرى، بل التواصل الثقافي مع غربلة الثقافة الوافدة وعدم قبول إلا ما يتوافق منها مع الهوية.
ويأتي الحفاظ على الهوية كاستثمار في رأس المال البشري، والأخير هو الذي يُكَوِّن الدولة والمجتمع، ويكون ذلك من خلال تحصينه بعناصر الهوية الثلاث: الدين، واللغة، والتاريخ.
والحفاظ على الهوية كذلك بمثابة استثمار جيد في رأس المال الاجتماعي، من خلال احترام القيم والتقاليد التي تقوي الصلات الاجتماعية بين أفراد المجتمع، والتي تأتي قبل القانون في درء السلوك الإجرامي أو الخارج عن قيم الجماعة.
والأزهر كان ومازال متربعا على عرش المؤسسات التي ترسخ الهوية وتعزز الانتماء، بما يقدمه لأبنائه من دراسات وممارسات وأنشطة علمية تهتم بالتراث، وتعني بالتنوع الثقافي، وتراعي الاختلافات والرؤى العلمية في جميع المجالات العلمية والحياتية، فيُدرّس في الأزهر المذاهب المختلفة، ويَدرس في الأزهر طلاب من جميع الأقطار المختلفة.
وتقوم الدراسة في الأزهر على الثقافة الإسلامية وتاريخ الشعوب وتدرس اللغة العربية بجميع فروعها، كما تدرس في الأزهر العلوم التطبيقية بجميع فروعها أيضا، ويعني الأزهر بتدريس التكنولوجيا والعلوم المعاصرة، وقد بلغ شأو بعيدا في هذا الجانب.
وعلى هذا الأساس جاءت مخرجات التعليم الأزهري أنموذجا رائعا يحمل جميع مواصفات الإنسان المعاصر الجيد، الذي يحترم ثقافته ويعتز بهويته وينفتح على الآخرين يأخذ منهم ما يتفق مع ثوابته ويرد ما يخالف ذلك، كما يتمتع بسعة الأفق وقبول الاختلاف، ويمتلك مهارات التواصل، صالحا في نفسه مصلحا لغيره.
كما يقوم التعليم الأزهري بتعزيز الانتماءات الأساسية مثل: اللغة والتاريخ القومي والإسلامي والدين، وتقويض الانتماءات الفرعية مثل: المذهبية أو الإقليمية، من خلال الوسطية واحترام الآراء والمذاهب الأخرى ونقدها نقدا علميا، واحترام الأديان الأخرى والخصوصيات الثقافية للآخرين.
وهذا غيض من فيض الأسباب التي جعلت الأزهر يتبوأ عرش الخلافة العلمية في جميع أنحاء العالم، ويقوم بدور منشود ومشهود في ترسيخ قيم السلام العالمي، ووحدة المصير الإنساني، والمؤاخاة في الإنسانية، مع احترام هوية المجتمعات وطابعها الثقافي.
لقد كان الأزهر ومازال كذلك غير أنه بدأ يدخل الأزهر في الآونة الأخيرة في دائرة التقليد غير المدروس، محاولة للظهور المبالغ فيه بمظهر المعاصرة، وكأن الأزهر قد سئم تأدية وظيفته التي ظل يؤدها وما زال قرابة الألف عام دون كلل أو ملل، ومع ذلك فقد بت أخشى أن يكون الأزهر قد بدأ يتحلل من دورها وواجبه التاريخي في ترسيخ وتعزيز الهوية لأسباب أذكر منها:
- الإقبال الشديد على الاهتمام باللغة الإنجليزية بما تحمله من هوية للآخر حيث تعمل على خلخلة النماذج والتقاليد القومية بما تقدمه من ثقافة تعمل على نشر هوية وثقافة أهل اللغة الإنجليزية في المجتمعات الأخرى؛ لأن اللغة وعاء للثقافة، ومن هذا الباب بدأت ثقافة المتعلم تمتزج بثقافة الأخر رويدا رويدا. كما أن هذا الاهتمام قد أدى إلى تراجع الاهتمام باللغة العربية وقلة استخدامها، ولم تعد لغة التعليم في معاهد اللغات التي بدأت هى الأخرى في الانتشار، والخطير في الأمر هذا الاهتمام يبدأ من المراحل التعليمية الدنيا - من رياض الأطفال - حيث لم يتطبع طلاب هذه المرحلة بعد بطابع ثقافتهم الإسلامية والمصرية، وبالتالي سهولة زعزعة هويتهم الأصلية، كما انعكس هذا الاهتمام بالسلب على اللغة العربية ولم يعد تدريسها يلقى ما تلاقية اللغة الإنجليزية من اهتمام وإقبال، وبالتالي تراجع التمسك بالقيم والترابط الأهلي.
- الإهمال أو التخفف من تدريس الدين وأمور العقيدة، استجابة لتخفيف المناهج عن الطالب الأزهري؛ نظرا للتوسع في العلوم الأخرى، فجاء ذلك على حساب العلوم الإسلامية والعربية، وذلك ما أثر في القيم الدافعة نحو التراحم والعدل والعمران التي تسعى العلوم الإسلامية والعربية لغرسه في الطلاب.
وأخيرا: هناك خيط رفيع بين التجديد والتقليد، والتطوير والتجريف، والانفتاح الثقافي والذوبان الثقافي، والتخفيف والإهمال، والوسائل والغايات، كما أن الاهتمام المتزايد بجانب يؤثر بلا شك على الجانب الآخر، ومن هنا يصبح التوازن أمرا لا غنى عنه.
#الغنيمي
#رؤية_في_إصلاح_التعليم


الأزهر، التعليم، نهضة


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع