مدونة محمد كريم الساعدي


الجماليات المحاكاتية /الجزء الأول

أ.د محمد كريم الساعدي | Mohamad kareem Alsaadi


05/10/2022 القراءات: 70  


رأى الفيلسوف اليوناني (أرسطو طاليس 384- 322 ق . م) ، الجمال بطريقة متقدمة نحو الحياة والطبيعة ، فهي نظرة قائمة على الفعل الجمالي السائر الى الأمام نحو الأنسان وطبيعته البشرية ، وليس الى عالم المثل والصور في عالمها العلوي كما هي عند (أفلاطون) ، فإذا أستعرضنا رؤية (أرسطو) للجمال فإنه يشير الى النشأة الواقعية من خلال نتاج فني يحاكي الواقع وليس ما هو خارج حدوده المنظورة ، أو خارج حدود العقل البشري ، فالجمال والجميل لديه هما ما يؤديان الى النشأة السليمة حسب اعتقاده ، وليس الى ما هو خارج عنها ،و" كانت القدرة البشرية (على الصنعة) تحاكي الطبيعة ، فمن الواضح أن غائية منتجات القدرة البشرية أمر يعتمد على الطبيعة . ويصح لنا أن نقول : إنَّ كل ما ينشأ نشأة سليمة إنما ينشأ من أجل هدف (معين) . فكل ما يؤدي الى شيء جميل قد نشأ نشأة صحيحة ، وكل ما ينشأ ، أو قد تم نشوؤه بالفعل ينتج شيئاً جميلاً حين تتم العملية بصورة سوية . أما ما يشذ عن الطبيعة فهو رديء ومضاد لما يوافق الطبيعة . وهكذا تتم النشأة السوية المطابقة للطبيعة لأجل تحقيق هدف معين " (1). إنَّ الطبيعة من وجهة نظر (أرسطو) هي المانحة للتصورات والادراكات الجمالية ، وكأنه يرى أن نتاجات الفنون الجميلة تقع ضمن دائرة الطبيعة والتصورات لها ، التي يشكلها العقل البشري في داخل تكويناته الذهنية لهذه الطبيعة ، أي أن بدون هذا التواصل معها لا يستطيع الأنسان أن ينتج أي شيء جميل . وفي خطوة أكثر وضوحاً لاحتياجات العقل البشري الجمالي للطبيعة وما تقدمه للإنسان من متطلبات الوضوح والرؤية الجمالية كون المعطى الجمالي يأخذ من ركائز البناء في الطبيعة معايير في أنتاج سمات العمل الفني ، أي أن النشأة السليمة في حد ذاتها معيار للجمال في تناسبها وتناسقها ، فكل شيء سليم النشأة صحيح الهيئة يعطينا ميزة للجمال ويحقق الهدف المعين منه .والجمال يكتمل عندما يمارس مساحته في التكامل والتناسق مع معطياته في كل أجزاء العمل ذاته ، والنشأة السليمة هي من يستلمها العقل عن طريق الرؤية المتكاملة التي تؤدي بالمشاهد الى منحى جمالي من خلال الاكتمال الذي يؤدي الى الجودة والى تحقيق الهدف المرجو منه في اكتمال كلياته بتناسب جزئياته ، فالجمال الأرسطي " لم يخرج عن حكم العقل إذ جعل للفنان دوراً يقوم به وهو استخلاص الكليات من الجزئيات ، فالجميل متعلق بعالم من المعاني وهو يمثل الحقيقة الكلية الناتجة عن المشاهدات الجزئية ، لذلك فالفن الرفيع لا يقوم إلا على الأبداع والخلق يوصلنا الى المتعة الراقية وهو تجسيد للكلي الذي يسعى اليه كل فنان أصيل " (2).إنَّ الطبيعة والعقل عند (أرسطو) هما الدائرة التي من خلالهما ينتج الجمال ، وهذه الثنائية ركز عليها في جعل النتاج الجمالي قابل للإدراك والتصور ، فالجمال في طبيعته هو عملية تشاركيه بين الأثنين ، على الرغم من أن أدوارهما قد تختلف من أنواع الفنون الى أخرى ، أي أن بعض أنواع الفنون يكون للعقل دور فيها أكثر من الطبيعة ، فيقتصر دور الطبيعة فيها على أعطاء شكل المواضيع ،بينما يقوم العقل ببلورة هذه المواضيع الى نتاجات فنية أكثر تقدماً ، أي أن الطبيعة في هذه المواضيع لا تقدم أكثر مما هو موجود ،لذا يأتي دور العقل لتطويرها وإنتاج ما هو أكثر تقدما لها متفوقاً بذلك على الطبيعة من حيث أكمال نقصها ، بينما في مجال آخر يكون دور العقل مكملاً فقط للمواضيع في الطبيعة ، وهو ليس سد نقص فيها ، أو غير ذلك ، لكنها تكون مواضيع خارج مقدرة العقل لذلك فهو يحاكيها حتى يصل الى جمالها . في المثال الأول قد نجد في العديد من القصائد الشعرية ،أو الملحمية تفوق العقل على الطبيعة ، بينما في المثال الثاني نجد أن فن الرسم في حالات معينة يحاكي فيها الطبيعة من الممكن أن تتفوق عليه الطبيعة بواقعيتها ، مما يحاول العقل البشري أن يرتقي الى جمالها ، وعمليات التماثل والتناسب والترتيب تسهم في عملية ردم التفوق بين الطبيعة والعقل فيخرج العمل الفني نتيجة التعاضد بينهما في نتاج جمالي يبهج النفس البشرية . ويرى (أرسطو) أن " الجمال هو التماثل ، وتناسب ، والترتيب العضوي للأجزاء في كلٍ مترابط إنه تصور يسرنا أنه يتفق مع (تعاون الجزء مع الكل ) " (3) ، فالسرور مبني على أساس الاتفاق بين الأجزاء التي تشكل الكليات المتناسقة والمرتبة التي تعكس التماثل في تكوين الصورة الكلية للعمل الفني على وفق المعطى الجمالي .


الجماليات ، المحاكاة


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع