مدونة الدكتور محمد محمود كالو


إلْفُ النِّعْمَة المَرَضُ الخَفِيّ (2)

الأستاذ الدكتور محمد محمود كالو | Prof. Dr. Mohamed KALOU


23/10/2022 القراءات: 69  


منطق الإنسان عجيب، ولكنها الحقيقة، ألا ترون القرآن كتاب الله تعالى يذكر بهذه النعمة المتكررة التي ألفناها حتى نسينا كونها نعمة؟
ولنا في سبأ آية وعظة، كما ذكر الله في كتابه: {لقد كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ(15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ(16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ(17) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّامًا آمِنِينَ(18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}.
لما اعتادوا النِّعَم، ملوا منها، وكفروها، وطلبوا من الله تعالى أن يزيلها عنهم، ويبدلهم بالحسن السيئ، فماذا كانت النتيجة؟ لقد سلبوا النِّعَم، وحل بهم العذاب والعياذ بالله تعالى.
وهؤلاء كفار مكة لما ألفوا نِعَم ربهم سبحانه لم ينظروا إليها فيشكروها، بل ظنوا أنها نِعَم مستحقة لهم، فأدى بهم ظنهم هذا إلى كفرها، وقد ذكّرهم الله تعالى بإيلافهم للنعم فقال تعالى: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ. إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش: 1 - 4]. فأَلِفت قريش رحلة الشتاء إلى اليمن لجلب البضائع إلى مكة، كما ألفت رحلة الصيف إلى الشام للغرض ذاته، ونسيت أن هدايتهم لهاتين الرحلتين وتيسيرها وحفظها هو محض فضل من الله تعالى عليهم، ولا سيما أن قوافلهم التجارية تنجو من السطو عليها واختلاسها، لكن إلفهم لها أنساهم نعمة الله تعالى عليهم بها؛ ولذا لما ذكرهم سبحانه بهاتين الرحلتين، أمرهم بعبادته وحده لا شريك له.
وفي سورة القصص يقول الله جل في علاه في نعمة الصباح: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ} [القصص:71].
ويقول في نعمة الليل الذي نسكن فيه وننام: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [القصص:72].
وبعدها بيَّن الباري جل وعلا أن ذلك كله من رحمته فقال: {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [القصص:73].
أليس من المشتهر أن أحدنا لو افتقد نعمة اعتاد عليها يصبح ساخطًا متذمرًا، وكأن حقًّا من حقوقه سُلب منه، خذوا على سبيل المثال: لو أدار أحدنا صنبور الماء صباح يوم ما ولم يجد الماء العذب يخرج منه، إنه يغضب ويتذمر ويتأفف، ولو كان يشكر الله تعالى كل يوم على نعمة الماء لما تذمر؛ لأن الأصل أننا لا نملك من هذا الكون شيئًا، وما نحن فيه من نعم غامرة هو استثناء من هذا الأصل، فالله تعالى خالق كل شيء ومالك كل شيء ونحن لا نملك أي شيء.
ولذا ورد ذكر الماء أكثر من مرة في القرآن، وهو دليل على أن الإنسان ينسى ويألف وأنه يحتاج إلى التذكير بهذه النعمة فيقول سبحانه: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ} [الملك:30]، ويقول سبحانه: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ. أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ} [الواقعة:69].
الماء لا نملكه والليل لا نملكه والصباح لا نملكه، كل هؤلاء من نِعَم الله تعالى ألفناها حتى نسينا أنها نِعَم تستحق الشكر.
ثم تأملوا في الصحة والفراغ، وكم منا قد متعه الله تعالى بهاتين النعمتين، لكن أين الشكورمنا؟ بل أين من الأساس من يتفكر على أنهما نعمة أكرمنا الله تعالى بهما في وقت يتمناهما كثير من الناس!
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نِعْمَتانِ مَغْبُونٌ فِيهِما كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ والفَراغُ) [رواه البخاري].
وأخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انْظُرُوا إلى مَنْ هو أَسْفَلَ منكم ولا تَنْظُروا إلى مَنْ هو فَوْقَكُم فإنه أجدَرُ أن لا تزدَروا نعمةَ اللهِ عليكم)، فمتى نظر المسلم إلى من حوله من الضعفاء والمساكين والمرضى عرف قيمة ما يملك من النعم.
ومهما ابتلينا بمصيبة في مالنا، أو بلاء في جسدنا، أو أحد أولادنا، فعلينا أن لا ننظر إلى هذا البلاء، فيكبره الشيطان في عيننا، لينسينا أجر الصبر على المصيبة، وليعمي عيننا عن سائر النعم التي نتقلب فيها، وهذا عروة بن الزبير رضي الله عنه لما أصيب في قدمه وقطعت، قال: "اللهم لك الحمد، كان لي أطرافٌ أربعة فأخذتَ واحدًا، ولئن كنتَ أخذتَ فقد أبقيتَ، وإن كنتَ قد ابتليتَ فلطالما عافيتَ، فلك الحمد على ما أخذتَ وعلى ما عافيتَ، اللهم إني لم أمش بها إلى سوء قط [سير أعلام النبلاء للذهبي:4/430].
ولما دخلوا على رجل مشلول شللاً رباعياً، وهو يحمد الله على نعمه، قالوا: وأي نِعَم أنت فيها؟ قال: وهبني عقلاً، وغيري مجنون، ولساناً أذكر الله تعالى به، وغيري أخرس.
هكذا كان السلف الصالح، عرفوا نِعَم الله تعالى، فشكروه عليها وتنعموا بها واستخدموها في طاعة الله سبحانه، فلنقتدي بهم ولا نكون كالإنسان الكنود، الذي يعد المصائب وينسى النِّعَم.
وأخيراً: نسأل الله تعالى أن يديم علينا نعمه ويزيدها ويباركها، وأن يوفقنا لشكرها، ونعوذ به سبحانه أن نكفرها أو نجحدها، إنه سميع مجيب.


إلْفُ النِّعْمَة، المَرَضُ الخَفِيّ، الغفلة، الشكر، مغبون، الصحة، الفراغ


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع