مدونة باحث شرعي/محمد محمد محمود إبراهيم


سلسلة السيرة النبوية 🔻 غزوة أحد (9)

محمد محمد محمود إبراهيم | MOHAMED MOHAMED MAHMOUD IBRAHIM


08/03/2023 القراءات: 36  


ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من دفن الشهداء والثناء على الله والتضرع إليه، انصرف راجعاً إلى المدينة، وقد ظهرت له نوادر الحب والتفاني من المؤمنات الصادقات، كما ظهرت من المؤمنين في أثناء المعركة‏.‏

لقيته في الطريق حَمْنَة بنت جحش رضي الله عنها، فَنُعِي إليها أخوها عبد الله بن جحش رضي الله عنه فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعي لها خالها حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه ، فاسترجعت واستغفرت، ثم نعي لها زوجها مصعب بن عمير رضي الله عنه ، فصاحت وولوت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‌‏(‏إن زوج المرأة منها لبِمَكان‏)‏ ‏.‏

ومر بامرأة من بني دينار، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها بأحد، فلما نعوا لها قالت‏:‏ فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قالوا‏:‏ خيراً يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين، قالت‏:‏ أرونيه حتى أنظر إليه، فأشير إليها حتى إذا رأته قالت‏:‏ كل مصيبة بعدك جَلَلٌ (تريد صغيرة‏)

وجاءت إليه أم سعد بن معاذ رضي الله عنها تعدو، وسعد آخذ بلجام فرسه، فقال‏:‏ يا رسول الله، أمي، فقال‏:‏ ‌‏(‏مرحباً بها‏)‏، ووقف لها، فلما دنت عزاها بابنها عمرو بن معاذ‏.‏ فقالت‏:‏ أما إذ رأيتك سالماً فقد اشتويت المصيبة ـ أي استقللتها ـ ثم دعا لأهل من قتل بأحد ،وقال‏:‏ ‌‏
(‏يا أم سعد، أبشري وبشري أهلهم أن قتلاهم ترافقوا في الجنة جميعاً، وقد شفعوا في أهلهم جميعاً‏)‌‏.‏ قالت‏:‏ رضينا يا رسول الله، ومن يبكي عليهم بعد هذا‏؟‏ ثم قالت‏:‏ يا رسول الله، ادع لمن خلفوا منهم، فقال‏:‏ ‌‏(‏اللهم أذهب حزن قلوبهم، واجبر مصيبتهم، وأحسن الخَلفَ على من خُلِّفُوا‏)‏ ‏.‏

وظلت ذكرى شهداء أحد عميقة في نفسه عليه الصلاة والسلام فقد تمنى أن يكون استشهد معهم فكان إذا ذكروا يقول: "أما والله لوددت أني غودرت مع أصحابي نحص الجبل - أي سفحه - " وكانت صور المقاتلين الشجعان تمر بمخيلته فيثنى عليهم

ولما أعطى علي رضي الله عنه سيفه لفاطمة رضي الله عنها قائلا: "هاك السيف فإنها قد شفتني" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"لئن كنت أجدت الضرب بسيفك لقد أجاد سهل بن حنيف وأبو دجانة وعاصم بن ثابت الأقلح والحارث بن الصمة"

وقد بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بما نال الشهداء من عظيم الأجر فقال لابنة عبد الله بن عمرو والد جابر رضي الله عنهما : " لم تبكين؟! فما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها حتى رفع "

وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة نحيبا وبكاء على قتلاهم، فقال: "لكن حمزة لا بواكي له" ، فبكته نسوة الأنصار، فقال لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً ونهاهن عن النياحة أشد ما يكون النهي . وبذلك حرمت النياحة على الميت إلى الأبد ولم يؤذن إلا بدمع العيون.

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" لمَّا أُصيبَ إخوانُكم بأُحُدٍ جعلَ اللَّهُ أرواحَهم في أجوافِ طَيرٍ خُضرٍ ترِدُ من أنهارِ الجنَّةِ وتأكلُ من ثمارِها وتأوي إلى قناديلَ من ذهبٍ معلقةٍ في ظلِّ العرشِ فلمَّا وجدوا طيبَ مأكلِهم ومشربِهم ومقيلِهم فقالوا من يبلِّغُ إخوانَنا عنَّا أنَّا أحياءٌ في الجنَّةِ نُرزَقُ؟ لئلا يزهَدوا في الجهادِ ولا يتَّكِلوا عن الحربِ فقال اللَّهُ عزَّ وجلَّ أنا أُبلِغُهم عنكم فأنزلَ اللَّهُ {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا}" آل عمران 169

وكذلك نزلت آيات القرآن الكريم تمسح جراحات المسلمين، وتزيل عنهم آثار أحد: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} آل عمران 139 ، {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} آل عمران 140


سلسلة السيرة النبوية 🔻 غزوة أحد (9)


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع