مدونة محمد كريم الساعدي


الجماليات المحاكاتية / الجزء الثاني

أ.د محمد كريم الساعدي | Mohamad kareem Alsaadi


05/10/2022 القراءات: 102  


إنَّ من المصطلحات المهمة أيضاً التي ركز عليها (أرسطو) في الوصول الى مفهوم الجمال هو مفهوم المحاكاة ، والذي يعد مفهوماً أساسياً . والمحاكاة لديه لها أسلوبها وأنواعها وطبيعتها ، وبحسب فلسفته الجمالية ، فإن المحاكاة الأرسطية هي مختصة بالفنون الجميلة ، وينظر الى الجمال " على أنه محاكاة جميلة لأي موضوع حتى لو كان مؤلماً ورديئاً ، واختار الأنسان موضوعاً للمحاكاة في الشعر والتراجيديا ، ولا يعني (أرسطو) في المحاكاة تقليداً حرفياً ، بل يكمل مالم تستطيع الطبيعة عمله ، فيحاكي أبداعها بما يبدعه من أشياء وموضوعات جديدة " (4)، فالمحاكاة الأرسطية ليست نقل الواقع ، أو الطبيعة كما هي دون أضافات، بل هي ما تزيد تلبية الحساسية الجمالية لدى المحاكي ، فالفنان قد يعجبه جزء من الطبيعة فيحاول أن يحاكيه ، لكن هذه المحاكاة تبقى ناقصة من حيث الابداع ، فالأبداع هو الإضافة التي يحققها الفنان من وراء هذا العمل الفني ، فالفنان هنا يقع ما بين مزدوجين ، وينبغي من خلالهما الخروج عن المألوف في التقليد والنقل . هو ليس بناقل للطبيعة بقدر ما يريد أن يضيف أشياء يعتقد أنها تجمّل الطبيعة وتطور المدركات المعرفية والجمالية لدى المتذوق ، وهنا تصبح الإضافات أكثر مصداقية لمفهوم (أرسطو) عن المحاكاة . فهي أبداع وإضافة موضوعات جديدة الى أبداع الطبيعة ذاتها " وعلى هذا النحو يتضح لنا أن محاكاة الفن للطبيعة لا يعني ما يبدو لأول وهلة من أن الفن هو نقل من الطبيعة الظاهرة ، أو محاكاة حرفية للواقع المحسوس ، فأرسطو هنا لا يختلف عن (أفلاطون) في رفض النزعة الطبيعية ، أو الواقعية التي تتجه الى تصوير الواقع (...) حيث أنه يطالب الفنان بإن يحقق الصورة المثالية الكاملة في عمله ، ومن هنا يمكن أن يقال أيضاً أن الفن يطور عمل الطبيعة ويحسنه ، لأنه يساعد الطبيعة على تحقيق الصورة الكاملة في الوجود ويتمم ما فيها من نقص مشاهد " (5)يعتقده الفنان أن الطبيعة بوجود هذا النقص لا تكتمل في ذهن المشاهد والمتأمل لها .وعمل الفنان في إنتاج فن واع يعطي للطبيعة منظوراً عقلياً أبعد من الأنسان العادي الذي لا يشاهد هذا النقص . ويقصد (أرسطو) بالنقص ، ليس بنقص عن قدرة المبدع الأعلى في الإنتاج ، وإلا هذا يضاف في العمل الفني هو موجود بالأصل في أماكن أخرى لم تصل اليها عين الفنان متوفرة في الطبيعة في ما يخص هذه الإضافات ، ولكن الأنسان بطبيعته يعمل على إنتاج صور جديدة في هذه الطبيعة حتى يقضي على عامل الملل الذي لا يجعل المتلقي في تأمل كامل في حالة التقليد الحرفي للأشياء ، مما يكسر عامل التكرار في المشاهدات للطبيعة الذي يولد بناء آفاق آخرى للمكان الذي حاول الفنان أضافة أشياء جديدة اليه ، فلابدّ من كسر هذا الملل والجمود بالتغيير المستمر للطبيعة ، ومن أدوات هذا التغيير الفن الذي يضفي صفة الجمال من أجل الوصول الى اللذة التي يبحث عنها البشر في الحياة . ويصبح دور الفنان في صنع الجمال دوراً كبيراً يكاد يكون مواز للجمال ذاته في الطبيعة ذاتها .
إنَّ للمحاكاة عامل وسيط في تدوين سمة الجمال ، كون الفنان الذي يحاكي الجمال في الطبيعة يعتمد بصورة أولية على استنباط الجمال من الطبيعة ، ومن ثم تدوينه في العمل الفني الذي يقوم بتشكيله من خلال المادة التي تميز النوع في الفنون ، وحسب طريقة التدوين الذي يقوم به ، فالمحاكاة هي أداة مهمة يمكن للفنان أن يوظفها في صنع الجمال المستنبط عن الطبيعة من جهة ، ومن جهة أخرى يوظف الاضافات التي فكر فيها في العمل الفني ، وهذه الإضافات هي من تعطي للفنان حق في تطوير ما يريده من أشياء في الطبيعة داخل العمل الفني .
إذن ، فالفن عند " (أرسطو) هو محاكاة للطبيعة وهذه المحاكاة هي مادة الفن لأنها مادة كل تجربة بين الأنسان وبيئته ، فالفنون العظيمة هي التي تؤثر على العقل والمشاعر فتؤدي الى السرور العقلي ويكون الإحساس باللذة ، أو المتعة الناجمة عن هذه الفنون بمثابة متعة التفكير الفلسفي" (6)، فمن هذه المتعة المتحققة للفكر والنفس في الوقت ذاته ، يكون الجمال ليس فقط متعة عقلية بل حسية أيضاً . ولو كان متعة عقلية فقط ، أو ما ينتج عن وصول الشخص الى المتعة الروحية من خلال عالم عقلي روحي، لكانت المحاكاة هنا أفلاطونية بحتة ، لكن (أرسطو) لديه المتعة تشمل كلا الجانبين العقلي والحسي معاً ، كون أن النفس متعتها من خلال ما يتحقق من الإحساس الأولي الذي يلتقط بالحواس للمعطى الجمالي الأولي المنبثق من الطبيعة ، أو من محاكاة الطبيعة ، فالنفس عند (أرسطو) هي ما يرتبط منها بالفكر من ناحية ، وبالبدن من ناحية أخرى ، والجمال مرتبط بالنفس من حيث الحس والفكر معاً ، لأنها متشكلة من هذين الجانبين ،إذ " يبدو أن النفس في معظم الحالات لا تفعل ولا تنفعل بغير البدن : مثل الغضب ، والشجاعة ، والنزوع ، وعلى وجه العموم الإحساس . وإذا كان هناك فعل يخص النفس بوجه خاص فهو التفكير . ولكن إذا كان هذا الفعل نوعاً من التخيل ، أو لا ينفصل عن التخيل ،فإن الفكر لا يمكن أن يوجد كذلك بدون البدن " (7). إنَّ الإحساس والتفكير والتخيل كلها مرتبطة بالنفس من خلال البدن . والجمال لدى (أرسطو) مرتبط بالنفس البشرية من جهة المفاهيم الثلاثة .
إذن ، لا يوجد جمال بدون فكر ولا بدن بدون إحساس ، ولا بعيد عن التخيل العامل المهم الذي من خلاله يضيف الفنان ما يريده للعمل الفني من خارج حدود المشاهدة الحسية للطبيعة . فالجمال الأرسطي في مفهومه الاشتغالي مرتبط من حيث الوجود بالإحساس والفكر ، وكلاهما يتشكل بهما مفهوم الجمال في الوجود الإنساني عند (أرسطو) ، فلا وجود للجمال بدون هذه المفاهيم التي يعتمد عليها الطرح الأرسطوطالي في فهم أنتاج الجمال في الفنون الجميلة


الجماليات ، المحاكاة


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع