مدونة محمد كريم الساعدي


الواقع المعاش حل أنطولوجي / الجزء الثالث

أ.د محمد كريم الساعدي | Mohamad kareem Alsaadi


13/11/2022 القراءات: 45  


إذن فما الصورة الجديدة في للكوجيتو الجديد الذي يتكون من مقولة (أنا أقوى أذن أنا موجود) ، أصبحت أسبقية للأفكار فيها والماهيات التي بنيت عليها هي من تؤسس العالم الجديد دون الرجوع الى (الواقع المعاش) الذي كان نداً للماهيات المشوهة ويمدنا بالأفكار والذي يجعل من الانسان متعقلن في تصرفاته ونتاجاته الجديدة على أساس العامل المشترك مع الآخر ، وتقديم حياة طبيعية ليس فيها تجاوز على الآخرين في هذا المجال ،أو ذاك على حساب المصالح ، بل يجعل من الإنسانية والعيش المشترك في هذا العالم الواقعي هي الأساس كون أن الجدلية تنطلق من إقناع الآخر وليس تدميره ، أو فرض شروط عليه تحت مبدأ القوة والبقاء للأقوى من خلال غايات ووسائل مشوهة أصلاً لكنها مغلفة بأغلفة تبدو صالحة للوهلة الأولى وهي لا تدوم طويلاً حسب المسار التاريخي والحتمية التاريخية التي لم تسجل الاستمرارية لأحد مها كانت قوته ، لأن المعادلة في هذا القول تأخذ قولاً مجيداً (وتلك الأيام نداولها بين الناس ) وهذا القول الإلهي هو من يطبق دائماً فلا أحد لديه الغلبة على الآخر في مسارات التاريخ ، ولو نظرنا جيداً الى التاريخ لوجدنا أن أمريكا كانت قارة مجهولة وكانت قبلها أوربا تعيش في صراعات همجية وكان العالم الأول آنذاك هو العالم الشرقي وحضاراته القديمة وأوج قوته في العصور الإسلامية ، وأصبحت أغلب دول العالم الشرقي اليوم تمثل العالم الثالث ، وأمريكا وأوربا هما العالم الأول وقد تتغير المعادلات قياساً بالسنن التاريخية في قابل الأيام وتشير الحياة على وفق البقاء للأصلح وليس للأقوى.
إنَّ الماهيات المتشكلة من الأفكار التي لا ترجع الى الواقع المعاش والوجود الواقعي للإنسان ، وهي ليست حكراً في تطبيقها على أحد دون آخر ، والتي تخلت عن أن تضع نصب أعين منتجيها قاعدة العيش المشترك والوجود الواقعي الذي تستمد منه الأثر والأعراض . وإذا اعطينا بعض الامثلة في استثمار الماهيات التي تعمل على الواقع المشترك وتأخذ في توظيف هذه الافكار في المجالات الأتية :
1. في السياسة : فهذه الماهيات لو افترضناها في العمل السياسي مثلاً وحاولنا أن نبعد هذا العمل عن الماهيات التي لا ترجع الى الواقع المشترك والمبنية على الأفكار في اطارها السابق من التشويه لكان الوئام اليوم موجود في الحياة الانسانية جمعاء ، كون أن العامل المشترك بين الشعوب والدول يأخذ في الحسبان الموجودات القائمة على أن الإنسان هو الذي من أجله تبنى الأوطان وتبنى الحضارات ، فالإنسان بواقعه الكلي هو المخلوق الاسمى الذي من خلاله تتطور الحياة ، وليس البحث في سياسة تفضل فرد على فرد ، أو جماعة على جماعة ، أو شعب على شعب وتشرعن الدمار والقتل بحجة البقاء للأقوى ، فهذه السياسة سياسة رعناء لا تجعل للعيش المشترك على وفق الواقع المشترك وجود حقيقي ، بل للأفكار المزعومة التي من خلالها استبيحت افريقيا وأسيا وأمريكا اللاتينية وغيرها ، وحتى شعب الهنود الحمر في أمريكا .
2. في البناء النفسي : لو افترضنا أن الأفكار التي يحملها البعض ضد الآخر في قضية بث الخوف والفوبيا والدفاع عن النفس وما صاحب هذه الافكار من إنتاج الاسلحة الفتاكة والدمار الشامل بحجة الحماية المصاحبة لتأمين الحياة ، لو كان بدل ذلك التركيز على الوجود الواقعي والعيش المشترك الحقيقي لما احتاج الإنسان الى مثل هكذا اسلحة مدمرة ، بل العمل على المقومات التي يشترك بها الإنسان مع أخيه الإنسان في بناء عالم آمن.
3. في التعايش الديني : لو حاولنا إبعاد الفرضيات القائمة على ماهيات وأفكار متشنجة ومتشددة في كون أن للبعض من الناس حسب اعتقاده في الدين هو الوحيد الممثل للخالق في الأرض ، وبدلناها بقاعدة (الاكراه في الدين ) و(جادلهم بالتي هي أحسن) من خلال التركيز على المشتركات بين الأديان والمذاهب لما وصلنا الى ما هو عليه اليوم من تكفير للشعوب والقوميات والمذاهب والأديان ، وظهور حركات وتيارات تكفيرية في كل الديانات السماوية والوضعية.
فمن خلال هذه الامثلة وغيرها في المجالات الأجتماعية والاخلاقية والعلمية والاقتصادية نقول أن المسألة مرتبطة بالعودة الى الواقع المعاش والوجود الواقعي وقرأته بشكل جيد من خلال البحث في هذا الوجود الإنساني وما يخص هذا الوجود في ذاته وليس على وفق أفكار تشكلت في صور ذهنية وماهيات ولدت في العقل البشري آليات البحث في المصالح الذاتية الضيقة .
إنَّ هذه التطلعات الأنطولوجية لا تنفي الأفكار ولكن الأفكار يجب أن تبنى على وجود واقعي ومعاش وعلى اساسه تبنى الأفكار السليمة وليس على اساس صور ذهنية مفترضة ، فالفرضية في هذا الكتاب تنطلق من تغير النظرة وأبعادها عن المقولة التي تحرك الأفكار لعالم مجهول (أنا الاقوى اذن انا موجود ) ، أي الموجود الاقوى موجود متسلط وموجود طاغي جعل هذا العالم عبارة عن قنبلة موقوتة نتيجة سباق التسلح والخزين الهائل للقنابل النووية وغيرها ، ونحول المقولة السابقة الى مقولة أخرى : ( أنا افكر فيما هو موجود ) وهي مقولة تسبق من حيث الايجاد والأسبقية (للكوجيتو الديكارتي) اي يجب أن تصبح هاتين المقولتين في سياق واحد وهو ( أنا أفكر فيما هو موجود أذن أنا موجود ) حتى يصبح سياق التفكير اساسه الواقع المعاش والوجود الواقعي الذي غُيب قسراً عن الحياة .


الواقع ، المعاش ، الأنطولوجيا


يجب تسجيل الدخول للمشاركة في اثراء الموضوع